مدونة حلمي العلق

سورة البقرة من آية 105 إلى آية 110

 | ayat | elbakara

(مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105))

الآية تشير إلى وجود فئتين هما أهل الكتاب والمشركين رافضين الرسالة، وكارهين لأن يتفضل الله سبحانه وتعالى على المؤمنين بنزول الرسالة عليهم.

(مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106))

النسخ هو عملية نقل من كتاب أصل إلى كتاب آخر هو نسخة أخرى منه، أو ننسها أي لا تنسخ في الكتاب، فالله يأت بمثلها أو خير منها. وفي هذا إشارة إلى أن القرآن نسخة من التوراة.

ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير في أن ينسخ الكتاب، لأن في ذلك قدرة غير اعتيادية تتجلى للنبي وللمؤمنين.

(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (107))

علم المؤمن أن الله له ملك السماوات والأرض يدعوه أن لا يبتغي من دون الله ولي ولا نصير غيره، فهو كفايته. الآية متعلقة بنفس موضوع الآيات السابقة ، في أن الله سبحانه وتعالى قادر على نسخ التوراة في القرآن.

(أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108))

هناك نهاية يصل لها كل مشكك في أي رسالة وهي أنه يريد أن يرى الله، ولكن الله سبحانه وتعالى يريد الإيمان بالغيب، ولقد سأل بنو إسرائيل موسى أن يروا الله جهرة كي يتبعوه، أو أنهم سألوه أسئلة إضافية على تبيين الكتاب كما سألوه في شأن البقرة: مالونها؟ ومن يتبدل الكفر بالإيمان، بتبديل الآيات بأحكام خارج الكتاب.

(وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109))

ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم : من خلال الإيحاء للمؤمنين أن يسألوا الرسول سؤال عن كيفية الإيمان بالرسالة كما في الآية السابقة، والتي هي معجزة خارقة كما آمنوا هم بموسى.

يردونكم : إلى معيتهم إي أن يكون المؤمنون تابعين لأهل الكتاب، فاعفوا واصفحوا : علاج الحسد هو العفو عمن تراه حاسداً حاقداً لمقامك الذي رزقك الله به، والعفو يسبق الصفح ، لأن العفو هو النسيان. وهذا يتطلب أن يكون هناك زمن بحيث يسبق العفو ومن ثم يأتي الصفح والذي هو عبارة عن صفحة جديدة.

(وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110))

الصلاة والزكاة عنوانان عامان يشملان الدين الذي يقدمه المؤمن لله سبحانه وتعالى، بصورة عامة الصلاة هي صلة بين العبد وربه، والزكاة هي تزكية النفس من كل دنس. أما الصلاة بمعناها الخاص هي الذكر الذي يقيمه المؤمن في أوقات محددة، والزكاة بمعناها الخاص هي تقديم المال بصورة خاصة.

وتقديم ذلك لله هو تقديم للنفس ليوم القيامة، المؤمن يقدم عمله أمامه ليلقاه هناك، والله بما تعملون بصير ، فلن يضيع أبداً.


تتحدث آية (ما يود الذين كفروا) عن طائفتين الأولى هي أهل الكتاب والثانية هي طائفة المشركين، وكلمة المشركين هنا هي كلمة خاصة تقصد مشركي مكة، لأن أهل مكة (ما آتاهم من نذير من قبلك) فهم غافلون عن تاريخ الرسالات وليسوا أهل كتاب، وتخصيص اسم المشركين بهم لايعني أن أهل الكتاب لايشاركونهم الصفة لأن الشرك مشكلة شائعة "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون" ولكن يعني أن هذه هي مسمياتهم في ذلك الزمان. وسمي أهل مكة بالمشركين لأن الشرك كان واضحاً في سلوكهم الديني فقد قدسوا الملائكة وأعطوها أسماء البنات وتوسلوا بها واتخذوها شفعاء وانحرفوا عن ملة إبراهيم التي ترفض تلك المعتقدات وذلك الإنحراف.

أهل الكتاب لديهم علوم الرسالات ولكن المشركين في غفلة عن ذلك كله، لذلك الآية (109) تقول عن أهل الكتاب (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم كفاراً حسداً من عند انفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا) تبين لهم من خلال معرفتهم بالكتب السماوية أن مايقوله النبي محمد (ص) هو رسالة سماوية حقيقية طبقاً لما تعلموه، لذلك "ودوا لو تكفرون" مخاطباً بذلك المؤمنين، وفي هذا ازدواجية واضحة، فمن يكون على شيء يود لو أن الناس تكون عليه، فلماذا يرغبون عكس ذلك ؟ لأنهم في الحقيقة ليسوا عليه! ولا يريدون أن يكونوا على قيم الكتاب وأحكامه، على الرغم من أنهم هم أهله ولكنهم لم يستأهلوه ولم يعملوا بأوامره، فجاء من يحمل نفس مبادئ تلك الرسالة وشرائعها ليقوم بها ويدعوا الناس إليها، وفي هذا دلالة واضحة باستبدال الله لهم، وأنهم لم يعودوا صالحين لحمل هذه الرسالة للناس وبهذا تسقط إمامتهم للدين بعد أن حملوها لقرون. وبالمثل يصدق القول بالنسبة لمشركي مكة، فالنبي محمد (ص) منهم وفيهم وهم سدنة البيت على مدى قرون طويلة، وظهور من يدّعي أنه على ملة إبراهيم وأن الواقع الذي عليه قريش قد خرج عن مسار الملة يسقط إمامتهم للبيت، الأمر الذي يتسبب بسقوط مكانتهم لأنهم كانوا أشراف العرب وأسيادهم.

الآية (109) من سورة البقرة حددت أن الذي تبين له فعلاً أن الذي أنزل على النبي محمد (ص) أنه حق هم أهل الكتاب كونهم يعلمون وليسوا على جهل وليسوا في غفلة، فهم أهل كتاب ويعلمون حقائق الرسالات. وقد تبين للمؤمنين أيضاً من خلال أهل الكتاب أن ما أنزل هو نفسه ماجاء في الكتب السماوية السابقة، وإذا حدث اسستغراب أو عجب من ذلك التطابق على الرغم من اختفاء التوراة والبعد الزماني والثقافي واللغوي بين النبي محمد وبينها فإن الآية تقول في هذا الصدد (ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير) ثم تخاطب كل من يريد معجزة في هذا الصدق ( أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ) حيث سئل موسى رؤية الله جهرة من أجل التحقق من صدق دعواه فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون، وهذا الطلب يخرج المؤمن من إيمانه بالغيب إلى حظيرة الكفر به.

وهنا يأتي الحديث عن النسخ الذي أشارت له آية (106) (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ، فنسخ الآية هو عمل ما يماثلها أو يطابقها، أما نسيانها فيعني إخفاءها، والآية تتحدث عن قاعدة عامة فحواها أن الله سبحانه وتعالى إذا نسخ آية أو أنساها فإنه يأتي بمثلها أو خير منها فلن تسقط آية من الحسبان إلا وترد لأنه سبحانه لا ينسى وكل الآيات محفوظة، فما موقع هذه السنة الربانية في هذا السياق ؟ الآية الشريفة تقول ضمن السياق، لن يضيع شيء مما وجد في الكتب السماوية السابقة إلا وتجد له ما يطابقه في هذا الكتاب الكريم إما نسخة طبق الأصل أو بصياغة هي خير مما كانت عليه هناك، لذلك فهو يعقب بعد هذه الآية باستذكار القدرة الربانية في أنه سبحانه له ملك السماوات والأرض وهو على كل شيء قدير. وهذا النسخ هو الذي أحدث الغرابة لدى أهل الكتاب، فلسان تلك الكتب أعجمي ولسان النبي محمد عربي مبين، الأمر الذي أكد لهم أن رسالة النبي حق من عند الله سبحانه وتعالى. وهو ما أحدث في قلوبهم الحسد رفضاً من أن ينزل الله هذا الفضل على هذا الإنسان وعلى هؤلاء القوم، والآية الشريفة تعطي علاجاً مهماً جداً للحسد وهو مواجهة الحاسدين الكارهين للحقيقة بالعفو والصفح والانصراف عنهم لما هو أهم وهو إقامة الصلاة وإتياء الزكاة، ولهذا الأمر موقعه في هذه المرحلة فالصلاة هي مصدر العون للمؤمن على أصناف الضغوطات الإجتماعية وبها يقاوم سوء الأخلاق والصفات الذميمة النابعة من الحسد والغيرة وبها يصل للزكاة التي هي من أعالي أهداف الرسالات.