مدونة حلمي العلق

سورة البقرة من آية 111 إلى آية 117

 | ayat | elbakara

(وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (111))

تخصيص الجنة هو إحساس يطغى على الفرق التي تميز نفسها، هؤلاء المدعين بأن الجنة خاصة لهم أنفسهم الذين كرهوا إيمان المؤمنين.

وفي هذه الآية هناك كلمتين بارزتين هما الأمنية والبرهان، فالأمنية هي تمني الجنة بدون عمل وقبول ذلك من خلال نصوص كاذبة لا ترقى إلى مقام البرهان، ومنه نفهم أن العقيدة لا تبنى على مقولات وأمنيات وإنما على برهان من عند الله الذي هو في الكتاب.

(بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (112))

في هذه الآية توضيح لحقيقة لمن ستكون الجنة، إنها ليست لطائفة أو لمذهب دون آخر وإنما ستكون لمن أسلم وجهه لله وهو محسن.

(وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113))

الآية متعلقة بسابقتها "بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن" فالجنة ليست مختصة بطائفة دون أخرى وإنما هي مختصة لأولئك الذين أسلموا وجوههم لله بالإحسان. و كانت اليهود تقول أن النصارى لست على شيء بمعنى أنهم ليسوا على أساس سماوي حقيقي، وكذلك قول النصارى لليهود بالمقابل بأنهم ليسوا على شيء أي أنهم ليسوا على أساس سماوي صحيح ، والرد على هذا: "وهم يتلون الكتاب" كيف لا يكون اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب، وكيف لا تكون النصارى على شيء وهم يتلون الكتاب، مادام الكتاب بين أيديهم فهم على شيء وهم على أساس صحيح. وهنا يرفض القرآن الكريم أن يلغي كل طرف الطرف الآخر على أساس طائفي ومذهبي والكتاب موجود، لأن الكتاب هو أساس الدين، ففي إلغاء من أساسه الكتاب إلغاء للكتاب.

"كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم" : هذا هو قول الجهلاء الذين لايعلمون، الذين يضيقون رحمة الله على طائفتهم أو مذهبهم دون أن يدركوا السعة الواسعة للرحمة وكيف يتعامل الله سبحانه وتعالى مع البشر، فقط لأنه يختلف معه في الرأي.

"فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون" : الحكم لله سبحانه في الإختلافات التي تسبب فيها تركهم للكتاب السماوي واللجوء لغيره.

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114))

خراب المسجد هو عكس إعماره وهو بوجود الناس الذاكرين فيه على الدوام دون انقطاع، وهذه الآية تشير إلى أن هناك من منع آخرين من دخول بعض المساجد لأسباب قد تكون طائفية أو مذهبية كما تقدم الحديث في الآية السابقة، والتي تشير إلى أن الإختلاف في الدين تسبب في إلغاء الآخر.

وفي منع الناس من دخول المساجد يتسبب في خرابها، وهو ظلم كبير في حق الدين، لذا توعد الله سبحان وتعالى أولئك المفسدين بالخزي في الدنيا والعذابب العظيم في الآخرة.

(وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115))

الآية متعلقة بالآيات السابقة، والآية تتحدث عن الاتجاه وتعطي أول موضوع للقبلة، فأينما تولي وجهك يمكنك أن تؤدي الصلاة، إن الله واسع عليم: الله موجود في كل مكان لا يخلو منه شيء.

فثم وجه الله: إينما تتوجه فهناك وجه الله سبحانه وتعالى.

(وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116))

الولد هو مقام مفترض لدى أهل الكتاب يصل له حسب ما يعتقدون بعض علماؤهم أو ينسب له بعض الأنبياء والله سبحانه وتعالى يرفض هذا الإدعاء، وهذا المقام كما يبدو يخول له أن يشرع في الدين، أي أنه يملك كما يملك الله سبحانه وتعالى.

له مافي السماوات والأرض كل له قانتون: الكل داخل مملكة الله، فلا يحق لأحد أن يشرع كما يشرع الله سبحانه وتعالى.

كلمة سبحانه :هي تنزيه لله عما يقولون، فإذا قيل قول يقلل من مقام الله نقول كلمة سبحانك.

(بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117))

في الآية السابقة تقول "له مافي السماوات والأرض" وهذه الآية تتحدث عن الإبداع في في الكون و الإبداع هو تكوين الشيء من غير أن يسبقه إليه أحد، وهنا ارتباط وثيق بين الألوهية وبين التشريع، ونقض الألوهية لأي أحد أعطي هذه المكانة من خلال إرجاع ملكية السماوات والأرض لصاحبها وهو الله سبحانه وتعالى فهو صاحب القرار والشرع.

النبي عيسى أو غيره من المخلوقات إنما هو كلمة من كلمات الله سبحانه وتعالى حيث أنه قال كن فكان.


تمهيد
كانت الآيات السابقة لهذه الآية تتحدث على أن أهل الكتاب الذين كفروا برسالة النبي محمد بعد وقد انكشف أنهم (بالعموم) استبدلوا كتابهم السماوي بكتب أخرى على الرغم من تحققهم من أن القرآن المنزل مصدق لما معهم. وهذه الآيات جاءت على نفس مسار الحديث لتبين جانب من جوانب الإنحراف في الأساسات، وتشير فيها إلى اختلال الموازين والإسراف في العقيدة والغلو فيها بدرجة أخرجت أصحابها عن الأصل، وبهذا فإن الآيات تتحدث عن اختلال في الميزان.

مقدمة : الكتاب والميزان
تقول الآية الشريفة (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17)) الآية تقول أن الله سبحانه وتعالى أنزل في الكتاب شيئين هما الحق والميزان، الحق هو الحقائق الدينية التي تشمل الغيب والعقيدة والشرع ، ولكل حقيقة من تلك الحقائق وزن هو الذي يجعلها في الاتزان بلا زيادة ولا نقصان، فالزيادة تكون بالطغيان الذي يؤدي إلى الغلووالنقصان هو الخسران الذي يؤدي إلى الكفر. يقول الله سبحانه وتعالى : ( وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9)) ومثال ذلك نبي الله عيسى (ع) حيث أن حقيقته أنه ولد من دون أب، وقد وجهت هذه الحقيقة بتيارين مختلفين، كل منهما رجح كفة الميزان ناحية متطرفة بين الطغيان والخسران في وزن هذه الحقيقة، الطغيان فيها هو قولهم ان عيسى ابن الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، والثاني هو قولهم على مريم بهتاناً عظيماً، والميزان في هذه الحقيقة هو أن مثله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون. كلا الطائفتين جاء بفرية بناءً على هذا التوجه وهذا الميلان الذي اتخذه إزاء هذه القضية، فرية المخسرين جاءوا ببهتان على مريم (ع)، أما الذي طغوا فقد افتروا على الكذب بقولهم أنه ابن الله.

الآيات :
الآيات السابقة لهذه الآية تتحدث عن الكفر بالكتاب بين طائفتين رئيسيتين هما المشركين وأهل الكتاب، وجاءت هذه الآيات لتتحدث عن أهل الكتاب الذين انقسموا إلى طائفتين أيضاً وكل طائفة تنكر على الأخرى وهما ( اليهود والنصارى ). نريد أن نقرأ هذه الآيات من خلال فهمنا لإخلال الميزان في كل طائفة من الطائفتين، قد تكون الطائفتين تسيران في ظل الحقائق الربانية ولكن أفقدوا الميزان، ولنتأمل ذلك في الآيات من بدايتها وحتى نهايتها، وفهم فقدان الميزان هذا هو ما يبرر موقفهم الكافر والمعاند في الآيات السابقة، هذه الآيات تبين معنى فقدان الميزان وتعطي صورة جلية لتأثير ذلك الطغيان أو الخسران في الدين من عدة جوانب، ولنبدأ من آية (116) والتي تقول وقالوا اتخذ الله ولداً ، ولنعلم أن هذه الآية ليست مختصة بالنصارى وحسب بل وحتى باليهود أيضاً ( وقالت النصارى المسيح ابن الله وقالت اليهود عزير ابن الله ) وهذه البنوة هي مرتبة من القرب من الله يعطيها أصحاب كل طائفة للنبي المعني بالطائفة، وبهذه المبالغة يعطى خصوصية تقتطعه عن بقية الرسل وتميزه عنهم بما يجعل ذلك أساس لتغيير كامل في بقية مرادفات الدين، كما هو واضح في موضوع دخول الجنة التي بدأت به مقاطع الآيات ( وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أونصارى ) حيث غزت الأمنيات أبجديات كل طائفة بسبب تلك المغالاة وذلك الغلو الذي يبدأ في حقيقته من سوء تقدير الذات بمساواتها ببقية المخلوقات (كما تبين آية البعوضة) لينتقل إلى سوء تقدير رسول الجماعة بالغلو والإخراج عن البشرية، وفي هذا الغلو سوء تقدير لله، وإعطاء أي أحد قدر أعلى من البشرية هو في حقيقته تقليل من قدر الله سبحانه وتعالى.

سوء تقدير الرسول يقود إيضاً إلى سوء تقدير الطائفة "الذات الكبرى" وتتغير نتيجة لذلك كثير من القيم الأساسية في الدين وتتبدل كثير من الأحكام. فبالاعتبار العالي للطائفة تتغير قيم دخول الجنة من إسلام وجه لله إلى انتماء للطائفة، ويتبدل المسلك من وجوب عمل إلى اكتفاء بأمل هي التي يمكن أن نسيمها بحسب القرآن بالإمنيات الطائفية. تتحدث الآيات التي تلت هذه الآية عن تأثير هذا المسلك وهذا الطغيان والتطرف على المستوى الاجتماعي حيث الإقصاء وإسقاط كل من لا ينتمي لهذا التيار وكل من لم يصطبغ بهذه الصبغة ( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء ... ) فلم تعد كل طائفة تعترف بالأخرى وتسقطها من حسبان الرسالات السماوية على الرغم من وجود الكتاب السماوي. ولا تشير هذا المقطع ( وهم يتلون الكتاب) إلى وجوب احترام الكتاب لدى كل طائفة وحسب بل إنه يشير إلى أن ذلك الميزان المختل قد أصاب أيضاً اعتبار الكتاب السماوي لدى كل طائفة فلم تعد ثقافتها مستوحاة من الكتاب بل أثر على تلك الثقافة تيار الغلو والتطرف وتغطت نتيجة لذلك آيات الكتاب وكلماته فلم يعد لها تأثير على الرغم من أنهم يتلون الكتاب ولكنها تلاوة ليست حق تلاوة الكتاب لأنها تلاوة سطحية تقليدية لا أثر لها، والنتيجة أنهم أصبحوا يقولون قول الذين لا يعلمون عن قول الله شيء.

وتتواصل الآيات في سرد سقوط القيم الدينية الأصيلة لملة إبراهيم نتيجة لذلك الغلو وتستعرض تراجع قيمة المسجد كما تراجعت قيمة الكتاب السماوي منافسة مبان أخرى، والمنع هو سن قوانين دينية تصعب الدخول للمسجد أو تقلل منه، وهؤلاء هم أبناء الرسل وأبناء نبي الله إبراهيم (ع) الذي أسكن من ذريته بواد غير ذي زرع من أجل إقامة الصلاة، وهاهم الآن يضيعون الصلاة بأنفسهم تلبية لذلك التطرف وذلك الغلو ويسعون في خرابها بمنع الناس من إعمارها (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114)) أما الآية الشريفة ( وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115)) ففيها تقديم لأمر هام وهو تبديل القبلة والذي ستتناوله الآيات اللاحقة بدءً من الجزء الثاني.

خاتمة

حاولت تلك الطوائف أن تستأثر بالنجاة يوم القيامة لها وتحجبه عن غيرها من الطوائف بغياً ، وقد بينت الآيات أن الهدى لمن أسلم وجهه لله، وفي الآيات صفات هامة وخطيرة توردها عن الذين ينحرفون عن أصل الملة الإبراهيمية تلك الصفات أدت بهم للكفر برسالة النبي محمد (ص). لقد أصيبت تلك الطوائف بتضخم في الذات تأسس بسبب ضياع الميزان الحقيقي والذي يؤدي بدوره إلى اختلال القيم وضياعها، الأمر الذي يفهمنا أن كلمة لا إله إلا الله ليست ليست لفظة وحسب إنها ميزان يعيد كل شخص موقعه الحقيقي، وبإعادة الأشخاص إلى اعتباراتهم الحقيقية تصلح الأرض، والعكس بالعكس.

إضافة :

لقد أنزل الله سبحانه وتعالى الكتب السماوية بالحق والميزان، أما الحق فهو الحقائق التاريخية والشرائع والعقائد، وأما الميزان فهو وزن كل حقيقة من تلك الحقائق بلا إسراف ولا إسفاف، فالحقيقة وحدها لاتكفي إلا وأن توضع بوزنها الحقيقي، وحين نتحدث عن الحقائق يجب أن نتحدث عنها بدون مبالغة في الحديث عنها ولا بتقليل شيء منها، فعلى المستوى الحديث عن الكتب، كل الكتب تحمل حقائق، ولكن ماوزن الكتاب السماوي بالنسبة لبقية الكتب؟ وحين نزن القول: فما وزن كلام البشر في قبال كلام المخلوق؟ وفي الحديث عن الأنبياء والرسل يمكننا أن نعترف بالرسل كحقيقية ولكن إن أسرفنا في الحديث عن أحدهما وأسففنا في الحديث عن آخر نكون قد أخللنا بالميزان. واختلال وعلى هذا الأساس نريد أن نفهم هذا المقطع من الآيات الذي نلاحظ من خلاله بقاء الحقائق وتوارثها مع اختلال الموازين.