مدونة حلمي العلق

الإيمان بالكتاب

 | faith

مقدمة

آية مثل البعوضة توجه الخطاب لمرضى القلوب الذين اتخذوا من دون الله أندادا، ولقد تقدم الحديث عن مرضى القلوب واستبدال الهدى بالباطل، ومن بعد تلك الآيات ضرب الله مثلًا لهذا الاستبدال حيث قال ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا ) هؤلاء الذين استبدلوا كلام الله بغيره إنما ذهبوا ليستضيئوا بغير هدى الله فكان جزاؤهم أن ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون. وبعد أن ضرب لهم هذا المثل ليوضح الحالة التي يعيشها مرضى القلوب، جاءت آية هامة لتوضح عمق مشكلة وسبب عدم تقبلهم للإيمان بالكتاب كله في آية الأنداد وهي الآية (21)، وقبل الرجوع لآيات سورة البقرة نحاول فهم مشكلة عقيدة الأنداد والكفر بالكتاب من خلال دراسة آيات من سورة سبأ.

الإيمان بالكتاب والأنداد

بداية سورة البقرة.

تحدثت سورة البقرة في بدايتها عن مرضى القلوب الذين اشتروا الضلالة بالهدى وحجب الله عنهم نور القرآن الكريم بسبب هذه المبايعة الخاسرة، ثم خاطبتهم الآيات وأمرتهم في آية (22) بعدم اتخاذ الأنداد ومن ثم ضربت لهم مثل البعوضة.

ومن خلال فهم جعل الندية يمكننا أن ندرك حقيقة بيع الهدى وشراء الضلال، فالهدى هو القرآن الكريم كما فهمنا من آيات سورة سبأ، وأما الضلال فهو ما يروج له المستكبرون الذين لبسوا قناع الأنداد ليقبلهم المستضعفون، ويقبلوا بهيمنتهم وسيطرتهم الدائمة.

المقصودون في الآيات هم مرضى القلوب هم المؤمنون الذين لم يكتمل استسلامهم لكلام الله وهم الذين لم ينصاعوا كامل الإنصياع والسبب وجود الأنداد في قلوبهم، ويمكننا ومن خلال هذا الفهم أن ندرك كيف عالجت آية مثل البعوضة هذه العلة العميقة في القلوب بأن ضربت للإنسان مثلًا يجسد حقيقته وهو البعوضة، وأن كل الإنسان مندرج تحت تصنيف المخلوقات، وأن نسيان هذه الحقيقة قد يؤدي بالإنسان إلى الكفر.

ما يؤكد مجرى الحديث على هذا السياق هو الآية (22) من نفس مقطع الآيات والذي يأمر مرضى القلوب أن لا يتخذوا من دون الله أندادا، ندرس هذه الآية من أجل استيضاح تعلق آية مثل البعوضة بالندية، ومن أجل إتمام مفهوم الإيمان المتعلق بالكتاب المنزل، يقول الله سبحانه وتعالى:

( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22))

1- (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(21))

" يا أيها الناس" سبق وأن تحدثت الآيات في مطلع السورة عن الناس بقولها "ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين" في معرض حديثها عن مرضى القلوب، هي تصنف الناس الذين من حول الرسالة إلى أصناف حسب الإيمان، ومن ثم تقول يا أيها الناس بصورة مطلقة، وثم تتحدث هنا عن الأنداد، إذًا لفظ "الناس" مخصص في سياق الحديث عن مرضى القلوب الذين سبقت الإشارة إليهم.

" اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون" قول الآية: لعلكم تتقون، تدل على أن الخطاب ليس لمنكر الرسالة، هي تقال لمن ينتمي لديانة سماوية لكنه انحرف عنها وعن حقيقة التقوى، وفيه إشارة أيضًا إلى التقوى التي تجلب الهدى من الكتاب كما بينت بداية السورة. ثم إن الآية تقول "الذي خلقكم والذين من قبلكم" لتؤكد لهم أن الذين من قبلهم مخلوقون مثلهم، وكأنها تذكرهم بحقيقة من سبقهم، ذلك لأنهم قدسوا أحدًا من البشر من الذين من قبلهم وأنزلوهم منزلة عالية فأخذوا أفعالهم وأقوالهم بدرجة أعلى من كتاب الله المنزل، فكانوا بذلك كمن أنزلهم منزلة الربوبية.

أما قوله تعالى : "اعبدوا ربكم" فيؤكد من هم المخاطبون! فهم أهل الكتاب الذين يؤمنون بالرسل ويؤمنون بالكتب المنزله لأن كلمة "ربكم" تدل على أنهم يعترفون بربوبية الله ولكنهم لا يعلمون بمقتضى هذا الاعتراف، فتقرون بأنه مالككم وخالقكم ورازقكم لكنكم لا تطيعونه، فإذا كنتم تعترفون بكل ذلك فاعبدوه والذي تعني اتبعوا كلماته وأطيعوه بدلًا من أن تتبعوا كلمات غيره وتطيعوا غيره.

2- ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22))

ثم يذكّر الله سبحانه وتعالى بنعمه على الإنسان ويقول لمن كان من المفترض أن يكونوا مؤمنين بالرسالات السماوية ولكن انحرفوا عنها " َلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون" أنتم تعلمون من هو الله سبحانه وتعالى، وتعلمون أنه خالقكم ورازقكم ومع ذلك تتخذون من دونه أندادًا لأن الهوى أخذكم إلى هذا الجانب، والند هو المساوي في الدرجة، إذًا هم يؤمنون بالله، ولكن مشكلتهم أنهم جعلوا مع الله ما يساويه من البشر، من مخلوقات الله، وبالتحديد من صنف الإنسان.

خاتمة

مشكلة الندية هي مشكلة قائمة، وهذه المشكلة هي التي تسبب مرض القلب وهي التي تضعف التمسك بكتاب الله، وعندما يأمر الله بتوحيده فهو يأمر بأن تكون كلمته هي العليا. هؤلاء الأنداد في حقيقتهم هم رسل الله، هم نبي الله عيسى(ع) ، وموسى (ع) وعزير، تم إعلاؤهم عن البشرية بالغلو، وبعد ذلك تم التمسك بكلماتهم التي تخالف الكتب السماوية، وهل للرسل كلمات تخالف الكتاب؟ لا ، لايوجد لهم كلمات تخالف ما أنزل الله، ولكنها كلمات تنسب لهم، وكلمات دسها الشيطان حتى يتمكن من تغيير دين الله بواسطة أسماء الرسل والأنبياء،ومن خلال جعل الناس يقدسونهم ويحبونهم كحب الله.