لو كنا نسمع أو نعقل
| quranic-commands# مقدمة
أحد المخاوف التي تعتري المؤمن في علاقته مع القرآن الكريم تكمن في التلقي والتطبيق، فكثيرًا ما يشعر المتأمل في الآيات بأنه قاصر عن إدراك ما ترمي إليه، وأنه بحاجة لوسيلة تطمئنه بأن ما يراه في القرآن هو مراد الله ، ويريد بذلك أن يخرج من حالة الريب في المعنى إلى اليقين فيه، فيشعر أنه غير متوهم فيما سمع ورأى وفهم، وهذه المخاوف في الغالب لها أصلان أحدهما سليم، والآخر سقيم، فإن كانت تلك المخاوف نابعة من حس التقوى والخوف من الله فذلك الاتجاه السليم، أما إن كانت مخاوف لا تنتهي وتعمل كمعطل لتطبيق ما أنزل الله فذلك اتجاه سقيم.
قد يشعر المؤمن بالضعف وعدم امتلاكه الأهلية الكافية لفهم الآيات الكريمة، وفهم مدلولاتها العميقة، فيتريث حتى يصل إلى درجة من الفهم والعلم فيها، ولا شك أن عدم التعجل هو أمر محمود بل ومطلوب في مسيرة دراسة كتاب الله ذلك لأن الدراسة تعني النظر في الأمر الرباني بتأن ومن جميع زواياه ومن خلال كل الآيات التي تحدثت في ذلك الأمر، وقد يكون أحد دوافع التسرع هو النفس التي لم يزكيها صاحبها، ولكن إذا افترضنا وجود تلك الزكاة النفسية التي لا تطمح لغير مرضاة الله، فهل يسمح القرآن للمؤمن الذي لا يمتلك الكثير من العلوم الحديثة والقديمة أن يبقى متقاعسًا ينظر للآيات كمتفرج حتى مع الآيات البيّنة المباشرة التي لا اشتباه فيها؟ ويعطل تلقيه المباشر من كتاب الله بصورة كاملة، ويتلقى بسبب تلك الروح المتقاعسة الأوامر من غيره دون تفكير؟ أم أنه مدعو للتدبر والدراسة وتفعيل التعقل لفهم ما يأمر به الكتاب ومن ثم فرز الواقع إلى سليم وسقيم والتغيير بناءًا على ما أوصله إياه إعمال العقل في الآيات وفي الواقع!
كثيرًا ما نرى أن آيات الله تتحدث مع أفراد لا خصوصية لهم في الدرجات العلمية، بل إنها تخاطب الناس كافة من إجل إخراجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، وكثيرًا ما نرى أن القرآن يريد علاقة مباشرة معه تمكن الفرد – العامي – من تمييز الصواب من الخطأ على أساس تحمله لمسؤولية نفسه، وعلى أساس أن لا يبقى مرتهن العقل لأي جهة، القرآن الكريم يدعو المؤمنين لتفعيل التأمل والتفكير من أجل الوصول لقناعات لا يزعزعها الريب، وثبات لا يساوره الشك بما يحملون من إيمان وتعلق بما أنزل الله.
إن الآيات الكريمة تصف بعض المخاوف السقيمة التي تعيق المؤمن من السير في إجلاء الحقيقة من الكتاب السماوي بالقيود، بل وتبين أن أحد أدوار الرسول هي إزالة تلك المعوقات، فنبينا محمد (ص) عندما جاء أعاد للناس الذين كانوا مرتهني العقول لغير ما أنزل ، أعاد إليهم حريتهم الفكرية، وأعاد تفعيل التعقل من أجل إخراجهم من الظلمات إلى النور بإذن الله ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ الأعراف (175) ، يضع عنهم إصرهم أي تلك الأوامر التي التزموا بها، وما أنزل الله بها من سلطان، والأغلال التي كانت عليهم أي تلك المخاوف التي تعيق حريتهم وتمنعهم عن التعامل المباشر مع الكتاب المنزل.
القرآن الكريم يكشف الحقيقية ويقلب الصورة في هذا الشأن، ليبين أن بعض المخاوف التي تكبل حرية الإنسان وتعيق حركته ماهي إلا أغلال تمنعه من ممارسة أدواره الأساسية في بلاء هذه الدنيا في السمع والتعقل وتقرير مصير الآخرة، فالإسلام الحقيقي يولد من رحم الحرية، لا من قيود الطوامير، فلا استعباد للناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا ، والعبودية الخالصة لله تعني أن لا عبودية لأحد غيره.
إن فهمنا لتلك الحقيقة يفرض علينا سؤال الحد الأدنى المطلوب من المؤمن، لقد علمنا أن الله سبحانه وتعالى يأمرنا باتباع ما أنزل ، وأنه سيحاسب الإنسان على عدم تنفيذه لأمر الله، وأنه من الواجب قراءة القرآن الكريم قراءة واعية من أجل التطبيق، والسؤال الذي نبحث الآن له عن إجابة هو : ما الحد الأدنى المتطلب في التعامل مع القرآن ؟ وما هو المستوى الذي لا يقبل الله من المؤمن أن يتراجع عنه في هذه العلاقة؟ وإذا كان الواجب على المؤمن أن يستمع بوعي، فهل عليه أن يمضي في تطبيق ما وعى وفهم؟ وهل يتطلب ذلك منه إمكانات لا تتوافر لديه؟
إن الإجابة على ذلك السؤال متوافرة في القرآن بأساليب عدة ومن مواضع مختلفة، وكلها تقود إلى حقيقة واحدة هي أنه لا مناص من تحمل الإنسان لمسؤلية نفسه من خلال علاقة سليمة مع كتاب الله، ويمكننا أن نختصر تلك الإجابة في قوله تعالى على لسان أهل النار " لو كنا نسمع أو نعقل" والتي تكشف الحد الأدنى من تكليف الإنسان تجاه كتابه، وهو أن يسمع بوعي وأن يتعقل ماوقع تحت فهمه ثم يمضي في اتخاذ قراره، لأن التعقل يتطلب من الإنسان أن يدرس ويفهم ثم يتغير. في هذه الحلقة نحاول أن نجيب على هذا السؤال من خلال التأمل في مقطعين من الآيات، ثم نختم بآية سورة الملك التي بينت هذا الحد الأدنى، لهذه الآيات دلالات كثيرة ولكننا نريد أن ندخل لهما حاملين هذه التساؤلات علنا نجد الإجابة:
# لو كنا نسمع أو نعقل
يقول الله عز وجل في سورة البقرة :
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ﴾ البقرة (170)-(171)
جاءت هتان الآيتان الكريمتان أثناء الحديث عن ما أمر الله به في موضوع الطعام، وبينت الآيات السابقة لها كيف أن الشيطان هو المؤثر الرئيسي لتغيير هذه الأوامر حتى يوقع الناس في مخالفة أمر الله، هتان الآياتان تبينان أن مشكلة الإنسان تكمن حين يأتيه الشيطان من جهة ما يحب، أي من جهة الآباء، وتبين مشكلته في عدم تفعيل عقله من هذه الجهة، وبعد هتين الآيتين يتم الحديث عن الأمر الرباني في موضوع محرمات الطعام.
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ﴾ البقرة (170)
تحديد المخاطبون يحدد مسار الحديث، الآيات الكريمة لاتتحدث عن أقوام لا يؤمنون بالرسل والرسالات، ولكنها تتحدث عن تأثير البعد الزمني على الأقوام التي أنزل الله عليها كتاب ثم مع بعد الزمان ابتعدت عنه، فمقام المتحدث هو مقام المذكر بما نساه المخاطب، ولو كان الحديث لأقوامٍ لا تؤمن بالرسالات لم تكن الدعوة لهم على أساس التوجه لما أنزل الله، فمن المفترض أن تكون الدعوة للإيمان بالله وكتبه ورسله، وتصديق الرسالات، ولكنها تتجاوز تلك المرحلة وتطالب الذين ادعوا الإيمان بتفعيل إيمانهم وذلك بتطبيق الأوامر الربانية.
الآيات الكريمة جاءت كتعقيب على انحراف الناس عن أمر الله في محرمات الطعام وعن محرمات ما أنزل الله بها من سلطان بسبب تدخل الشيطان وتحريفه للدين، وتشير إلى التعامل الجمعي اللا عقلاني تجاه أوامر الله في قبال ما اعتاد عليه الإنسان وما ألفه، ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ ﴾ وإذا قيل لهؤلاء الذين نسوا عهدهم وابتعدوا عنه عودوا لأوامر الله واتبعوا ما أنزل الله في كتبه المنزلة، لأنكم ابتعدتم عنها وأخذتم شيئًا آخر غير الذي نصت عليه الكتب المنزلة، يكون ردهم بالرفض ﴿ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ﴾ ولأن تأثير الانتماء أقوى من تأثير الكتاب، يتبعون ما ألفوه عن آباءهم ويذرون ما أمر الله به، وهذا السلوك الذي طالما حذرت منه الكتب السماوية عبر العصور.
ترد الآية الكريمة على هذا الوضع بقولها ﴿ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ﴾، وبلغة أخرى، أولا يتفكرون فيما ورد إليهم من آباءهم ويرجعوه إلى كتابهم ليأخذوا ما توافق منه ويرفضوا الذي لا يتوافق، الآية تبيّن أن لا ضمان لتلك التركة الآتية من الماضي، فقد يكون فيها ما لا يعقل وما لا يحمل الهدى في طياته، وقد يكون الشيطان قد نفث فيه من تلبيسه ما يفسد على المرء دينه، والآية لا ترفض أن يأخذ المؤمن من آباءه، ولكنها ترفض أن يأخذ بلا تعقل.
هذه الآية تتحدث عن أوامر الله، وتتحدث عن وجود قوة أخرى تؤثر على عقلانية الإنسان وتعطلها، وما تطالب به هتين الآيتين هو تفعيل العقلانية، ونفهم ومن خلال ألفاظ الآية وسياقها أن هذا الطلب يطلب من عموم الناس لا من خواصهم، فالآيات التي تعيد الحق إلى نصابه في موضوع المحرمات التي تتحدث عنها الآيات السابقة واللاحقة لا تحتاج إلى أكثر من تلك سمع وعقلانية وهي القضية التي تناقشها الآية التالية :
﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ﴾ البقرة (171)
الآية الكريمة مرتبطة بالآية السابقة، وتتحدث في ذات السياق، وتسمي الذين لا يستجيبون لدعوة الالتزام بما أنزل الله بالذين كفروا، فهي تتحدث عن كفر نسبي، الكفر المتعلق بالالتزام المطلق بأوامر الله دون الحياد عنها، فقد يؤمن الإنسان بالمجمل، ولكنه يكفر ببعض الجزئيات، والآية تضرب لهؤلاء مثلًا ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً ﴾ مثل أولئك الذين لا يستجيبون لنداء العودة لما أنزل الله بكل جزئياته، مثلهم كمثل الذي ينعق بما لا يسمع، كبعض المخلوقات التي لها إمكانية ترديد بعض الأصوات التي لا معنى لها، دون أن يدرك حقيقة ما يقول، ولا يفهم معاني الكلمات التي يطلقها، لقد استخدمت الآية كلمة " النعيق " وهو صوت الغراب المزعج أو المثير، وقوله "ينعق بما لا يسمع" مؤشر على أنه يرفع الصوت عاليًا لنشر مفاهيم وأفكار وأوامر هو نفسه لم يفكر فيها، ولم يمررها على عقله، وإنما عمل على تردديها وتكرارها وإيصالها للناس بلا إعمال عقل.
أما قوله " إلا دعاء ونداء " هو استثناء من السمع، فهذا الذي كفر بآيات الله ولم يطبقها، لا يدقق فيما يسمع، ولا يعي ما يتلقى، وما يسمع من الآخرين إلا كما يستمع الإنسان من الداعي أو المنادي، وكلاهما لا يتحدثان بحجة ولا بسلطان، فالداعي يدعوه إلى شيء فتكون منه الاستجابة، كقول الشيطان ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ﴾ وهو أيضًا يُدعى فيستجيب بلا سلطان، وأما المنادي فهو بعيد عن من يناديه فلا يسمع منه إلا كلمات مقطعة أو عبارات مقتضبة لا ترقى لأن تكون حجة حتى يستجيب لها الإنسان، ولكن هذا الإنسان يتلقى تلك الدعوات وتلك النداءات فيستجيب لها بل ويبدأ بتكرار نفس الدعوة والنداء لغيره، دون أن يتحقق من أصل كل تلك الندءات المترددة والراحلة عبر الزمان.
ماتدعو إليه هذه الآية هو أن يفعل المؤمن كل ما لديه من حواس أثناء تلقيه لتلك الدعاوى وتلك النداءات الفارغة من الحجج، والخاوية من الدليل ، لكن المعنين في الآية اتبعوها بلا تعقل ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ﴾، هؤلاء الذين ينعقون في الدين بدون تبيّن هم في حالة من الصمم لأنهم لا يسمعون كلام الله، ومن ثم لا يتحدثون بها ولا يوصلونها بل يوصلون كلام غيره فهم بكم، وحالة من العمى لأنهم لا ينظرون لآياته ولا يتأثرون بما فيها وفي النتيجة هم لا يعقلون وتلك هي المشكلة التي توقف الإنسان عن التحرك في كتاب الله، والاستجابة لأوامره.
كانت هتين الآيتين مقدمة سبقتا توضيح أمر الله في محرمات الطعام، وبهذا هما يطالبان المؤمن أن يتعقل فيما يأمره الله في هذه القضية، هتين الآيتين تطالبان بتفعيل السمع المدرك والتعقل الذي يخرج الإنسان من التأثر بالتيار الجمعي ليأخذ قراره بنفسه في تحديد الأمر الذي يدين به لله، وعند التأمل في السياق وفي ألفاظ الآيتين نجد أن هذا المطلب هو مطلوب من عموم الناس لا من خواصهم، وأن لا استنثاء لقارئ دون آخر، فالكل مطالب أن يتجنب هذه الصفات التي ذكرتها الآيتين الكريمتين، وأن المطلب وهو السمع والتعقل أداتان متوافرتان في كل إنسان عاقل.
ننتقل للبحث عن الإجابة في مقطع آخر في سورة البقرة:
يقول الله عز وجل في بدايات سورة البقرة :
﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَاتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ البقرة (78)-(82)
الآيات المباركة تخبر عن فئة من أهل الكتاب بعد الحديث عن الفئة التي قست قلوبها وعاندت مع معرفتها التامة بما أنزل الله ، بل وأخفت حقائق التوارة عن المسلمين حتى لا تكون عليهم حجة لأن تلك الحقائق كانت تناصر رسالة القرآن ودعوة النبي محمد، بعد الحديث عن تلك الفئة، تتحدث عن فئة أخرى لا تعلم عن حقيقة ما في التوراة وأسماهم الأميين.
﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ﴾ البقرة (78)
الآية الكريمة تشير إلى فئة من فئات أهل الكتاب أسمتهم الأميون، وبيّنت نوعها بأنها في الكتاب، فهم لا يعلمون من الكتاب إلا أماني، والأماني هي الأوامر الدينية التي لا أصل لها كتلك التي قالوا فيها ﴿ لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى تلك أمانيهم ﴾ فهذه المعتقدات التي دخلت في ديانة الأقوام السابقة وأفسدته يسميها القرآن الكريمة " أماني " وهؤلاء لا يعلمون من الكتاب إلا تلك الأماني، ويتعاملون مع الظنيات تاركين اليقين في الهجران ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ﴾ .
﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ﴾ البقرة (79)
الآية التالية تبين المصادر التي زودتهم بتلك الظنون ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّه ﴾ هي كتابات حملت أوامر تنسب لله، ولكنها ليست من عنده، وقوله "بأيديهم" تشير إلى أنهم يبتدعون كلامًا في الدين من عند أنفسهم، ثم ينسبون ذلك الكلام إلى الله كذبًا وزورًا، فكان لكلامهم ذلك رواجًا بين الأميين، يصدقونه ويأخذون به ﴿ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ﴾، فالويل لؤلئك الذين خدعوا الناس بتلك الكتابات الكاذبة، ثم الويل لهم مما يكسبون من فوائد دنيوية على ذلك، سواء كانت تلك الفوائد مادية أو مكانة اجتماعية أو ما شابه.
﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَاتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ البقرة (80)
هذه الآية تتحدث عن أحد أهم المواضيع التي كانت تشاع فيه الأكاذيب وهو موضوع ضمان الجنة والنجاة من النار، ﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً ﴾ ادعوا أن النار لن تمسهم، ولو مستهم فإنما هي أيام معدودة ثم يخرجون منها بما يملكون من مكانة عالية بين بقية البشر، وهذا امتياز لم يخصصه الله لأحد لذا ترد عليهم هذه الآية الكريمة علها ترجعهم إلى العقل ﴿ قُلْ أَاتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ﴾ تتساءل أين هو صك النجاة المخصص لكم؟ في أي كتاب أنزل هذا العهد، ما سيفعله الله لكم هو ما سيفعله لجميع الناس كما هو منصوص في كتبه ولن يخلف الله عهده في ذلك، ﴿ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ أم أنكم ترددون كلامًا لا تعلمون مدى مصداقيته ومدى تواجده في كتاب الله؟
وقوله تعالى ﴿ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ هو خطاب موجه للجميع دون تخصيص، وهذا الخطاب بدوره يوجب المعرفة بكتاب الله حتى لا يقع المؤمن في شرك مثل هذه المعتقدات، وهذه المعرفة يمكن فهمها من خلال أداتي السمع والتعقل التي تتوافر في كل إنسان.
﴿ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ البقرة (81)
﴿ بَلَى ﴾ هذه الكلمة تنفي السابق وتثبت ما بعدها، أي ليست الحقيقة ما تقولونه ولكن الحقيقة في أن المسيء سيحاسب على فعله ﴿ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ وهذا ما يشير إلى أنهم باعتقادهم بأن النار لن تمسهم، ولو أنها مستهم فستكون أيامًا معدودات يقتضي بأن المسيء والمذنب منهم لا يبقى في النار، ولكن الآية تنفي هذا المعتقد الباطل.
﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ البقرة (82)
وتمام ذلك المعتقد هو أن دخول الجنة يكون للذين آمنوا إيمانًا حقيقيًا واستجابوا لله وعملوا الصالحات، هم أولئك أصحاب الجنة ولا يدخلها المسيء المذنب والمقصر الذي تجاوز حدوده مع الله وتهاون في أوامر الله باعتبارات باطلة ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾.
هذه الآيات الكريمة بيّنت رواج عقائد غير سليمة تم تداولها من قبل عموم الناس لا من خواصهم، وهذه الآيات تبيّن أن السبب الرئيس في الوقوع في مثل هذه المعتقدات هي أنهم لم يتعلموا الكتاب، وأن الأدوات التي كانوا هم بحاجة لها لاستيعاب هذه المعتقدات هو فقط القراءة الواعية والمدركة لكتاب الله، أي أنهم بحاجة للسمع الواعي والتعقل، وهذا التعقل هو الذي سيصنع لهم الحصانة ضد أي معتقد ما أنزل الله به من سلطان.
فيما يصلهم من علم، وأنهم كان يجب عليهم أن يكون لديهم حالة من الرفض
المقطع الأول من الآيات يطلب من المؤمن السمع والتعقل، أما هذه الآيات فتطلب منه أن يتعلم الكتاب الأمر الذي يعني أننا نتحدث عن المصدر وعن أداة هذا المصدر، المصدر هو الآيات والأداة هي التعقل. لقد اختصرت سورة الملك هذا الأمر في آية واحدة بقولها :
نختم بآية كريمة بينت أن لعدم تفعيل التعقل عقوبة في الآخرة .
﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ الملك (10)
﴿ وَقَالُوا ﴾ القول في هذه الآية عائد على الذين دخلوا جهنم، وهم في هذه الآية يختصرون كل الأسباب التي أدت بهم إلى هذا المكان البائس في كلمتين: رفض السمع، ورفض ممارسة التعقل ﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾,
# الخاتمة
إن قلق الشعور بالضعف أمام الكتاب وعدم القدرة على سبر أغواره لأخذ أوامر الله، يقابله الخوف من الوقوع في الأمية بسبب عدم دراسته، وعدم تفعيل التعقل الذي هو منجاة الإنسان الحقيقي يوم القيامة، فالأمية وكما بينت الآيات تجعل من الإنسان ضعيفًا في تمييز الباطل، وتعطيل العقل يفتح أبواب الجحيم، فأي الخوفين أولى بالاستجابة. لقد اختصر الإمام علي (ع) في مقولة واحدة أصناف الناس بالنسبة لكتاب الله: فالناس ثلاثة : عالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع ينعقون وراء كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، فليأخذ كل واحد منا موقعه في هذا التصنيف الدقيق.