الإلحاد في الآيات
| quranic-commands# مقدمة
اليقين في الآيات والأخذ بها ليست منقصة في الإيمان بل هي من تمامه، فلا يلام المؤمن إن هو تمسك بكتابه بيقين، وإنما يعاتب ويلام إن هو ارتاب فيه ونحى منحى التشكيك، واحدة من أهم أسباب دخول الشك في الآيات والإرتياب في حقائقها هو الافتتان بمعانٍ أُلحدت فيها وهي ليست منها، فوجود تلك المعاني يوحي للمتتبع أنها حقائق ثابتة، وهذا ما قد يزعزع ثقته فيما يقرأ ويفهم من كتاب الله.
يبيّن القرآن الكريم وفي سورة فصلت وجود معاني باطلة دست بالخفاء في أذهان المستقبلين للكتاب لتكون حاضرة في الذهن أثناء قراءة الآية، تفهم بها ويطغى ذلك المعنى على المعنى الأصيل لها، فيقرأ القارئ مستحضرًا معاني ليست موجودة فيها في الأصل. المتأمل في سورة فصلت التي أشارت لهذه المشكلة يمكنه أن يدرك وجود فئة كانت تدس تلك المعاني منذ زمن التنزيل، ونعلم أن بعض المفاهيم عابرة للزمان والمكان، وقد يكون لها تأثير في تشكيل عقلية المؤمن المتسمك بكتابه وهو لا يشعر. الأمر الذي يُحملنا مسؤولية أن نتحقق من تطابق ما نستقبله من معاني مع ألفاظ الآيات وغايات القرآن.
ندرس الآية الكريمة آية (40) من سورة فصلت والتي تعرضت لهذه المشكلة، من خلال دراسة الآية وكذلك الآيات التالية لها لنتمكن من أخذها مع السياق .
# الإلحاد في الآيات
يقول الله عز وجل :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ فصلت (40)
يقول الله عز وجل ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا ﴾ يُفسر الإلحاد في الآيات على أنه إحراف كلام الله عز جل عن معناه وعن غايته ومبتغاه، وبالتأمل في العبارة " يلحدون في " يمكن استظهار المزيد من المعاني في هذا الشأن، فالإلحاد (https://www.helmielg.com/words/لحد/) هو تضمين شيء في شيء آخر ليس بالضرورة أن يكون من جنسه أو يحمل صفته، والآية الكريمة – أي آية في القرآن - ألفاظها ثابتة لا يمكن العبث بها أو تبديل رسمها لأن الله عز وجل حفظ القرآن من ذلك الاعتداء، والكلمات هي خزائن المعاني، و المعاني يمكن العبث فيها بالزيادة أو النقصان، فالإلحاد فيها يكون بواسطة إضافة مفاهيم ليست في وارد الحديث الذي تتحدث به الآية، ولكن يتم استغلال طبيعة ألفاظها لإضافة معانٍ يراد لها أن تثبت لعدم وجود دليل عليها، فصاحب هذا العمل يلحد في الآية ما ليس فيها.
ويبدو أن هذا الفعل يتم في الخفاء وبعيدًا عن الأنظار، ولكن يظهر كذلك أن لهذا العمل أثر على الآخرين، فمن الناس من يفتتن به ويأخذ به دون علم، وهذا ما يجعل الآية تتبع ذلك الفعل بقولها ﴿ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ﴾ أي أن الذين يقومون بهذا الفعل قد يَخفون عن الناس ولكن لا يمكن أن يخفون عن الله، والله مطلع على أعمالهم، وما هذه الإشارة إلا دلالة أيضًا على رغبتهم القوية في إحداث هذا التأثير في تصورات الناس ومعتقداتهم، فما يقومون به هو دس الأفكار والمعتقدات الباطلة كدس السم في العسل.
ويبدو أن الآية الكريمة تخاطب أولئك الذين يقومون بهذا الفعل زمن الرسالة، وأثناء فترة النبوة المباركة، لذا فالآية تتوعدهم بشديد المحاسبة يوم القيامة ﴿ أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ حيث تتساءل الآية ، أيهما خير؟ النار أم الأمان يوم القيامة؟ فالمعاني العبثية التي يقومون بترويجها ماهي إلا نار تحرق الأجساد يوم القيامة، وأما الأمان فهو بالالتزام بنص الكتاب وما جاء به، ولقد أذن الله عز وجل لؤلئك المغرضين والمفسدين أن يفعلوا ما فعلوا لحكمة هو يريدها سبحانه وتعالى. وسورة فصلت إنما تكشف ذلك لتنبه المؤمنين وتحذرهم من تقبل المعاني المضافة والدخيلة التي لا يمكن لأحد استنتاجها من النص، إلا أن يأتى بها من نص آخر ليدخلها في متن المعنى المقصود من الآيات.
لقد أذن الله ثم بين، أذن لأولئك المفسدين أن يفعلوا ما شاؤوا وأعطاهم الحرية : ﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ أذن لهم أن يلحدوا في الآيات، ويدسوا تلك المعاني، ثم بيّن للمؤمنين أن هناك فساد متعلق بالآيات، الأمر الذي يحتم على المؤمن أن يجعل الآية الكريمة مرجعية عليا يقاس من خلالها أي معنى وارد يحاول أن يدخل ضمن معاني الآيات. فالآيات الكريمة تفضح الفساد، وتبين المسار الصحيح لتجاوزه، وتجاوزه يكون بمعرفة القرآن ومعرفة سبيل المجرمين، لذا كان حديث الآية التالية عن سلامة القرآن وصدق ألفاظه، لأنه المرجعية التي يمكن من خلالها كشف الأكاذيب.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوَا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ فصلت (41)-(42).
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ﴾ أولئك الذين ألحدوا في الآيات، ومارسوا ضدها الجرائم، وأشاعوا الأفكار المغلوطة عنها، وسمموا معانيها وبثوها علنًا بأساليب مخفية، هم أولئك الذين كفروا بالذكر ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ ﴾ وهم أولئك الذين لا يخفون على الله عز وجل، ثم تبيّن العبارة التالية حقيقة تلك الفئة ﴿ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ﴾ هي فئة من فئات المجتمع في زمن التنزيل، كفروا بالقرآن لما جاءهم، ﴿ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ﴾ القرآن الكريم ذو رفعة ومكانة، وهؤلاء إنما أهانوا أنفسهم حين كفروا به ولم يهينوا القرآن.
﴿ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِه ﴾ الباطل هو كل ما يخالف حقائق الكتاب في العقيدة والأحكام والمفاهيم، والعبارة هي كناية عن عجز كل من أراد أن يغيّر شيئًا من ألفاظ الكتاب لصالح هواه، فالناس كانت وقبل مجيء القرآن يعيشون بعقائد وأحكام مشوبة بالإنحرافات العقائدية، وبعد مجيئه وإيمانهم به اصطدموا مع كل التصحيحات التي جاء بها، ونتج عن ذلك الصدام الرغبة في إثبات ما كانوا عليه، فكان السعي للتغير إلى الباطل الذي كانوا يسيرون عليه، الآية تنفي قدرة كل أولئك الذين كفروا به، والذين ألحدوا في آياته من أن يغيروا حرفًا من رسمه المبارك، ليظل القرآن حجة برسمه وداحضًا لكل المعاني الباطلة التي تمكنوا من دسها بالإلحاد، هذا القرآن العزيز لا يأتيه الباطل ﴿ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِه تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾، وهذا التعبير هو كناية عن الحفظ، فلا أحد يتمكن من أن يأتيه من أمامه بصورة واضحة فيغير فيه، ولا من خلفه أي بالغدر والخديعة، فالحمد لله الذي أبقى كلماته ثابتة لا تزول.
هذا التبيان هو حجة على دارس القرآن في مقارعة كل المعاني التي تصله حول آيات القرآن، فهو معني بأن لا يقبل كل ما يرده من المعاني، فبعضها مدسوس من قبل أولئك الذين كفروا به حين جاءهم، فوضعوا مفاهيم لا تمت للكتاب بصلة، فقط من أجل أن تنتشر وتبقى في أوساط المؤمنين، وقد بيّنت الآيات الكريمة أن مشيئة الله أذنت لمن أراد أن يلحد في الآيات في أن يفعل ما يشاء، ولكنها في الوقت ذاته ضمنت أن يبقى رسم الآيات ثابتًا لا يتغير و لا يتمكن الباطل من تغيير حرف من حروفه، فالإلحاد يظهر الفتن لمن شاء أن يفتتن، ولكن تبقى حجة الله في الكتاب المحفوظ باقية مابقي الدهر.
هذه الآية الكريمة تبيّن أحد أسباب تجاهل حقائق الكتب السماوية، وهو الميل عنها والرغبة في إثبات الباطل ومن خلال الآيات نفسها، وهذا ما جعل أهل التوراة يرتابون في كتابهم، فهم لايضعون كامل الثقة فيما أنزل الله، وإنما يضعون ثقتهم في تلك المعاني التي وردتهم عن التوراة، والتي حاول الشيطان أن يدسها حتى يبث ذلك الشك في بيّن الآيات، ويقع المؤمن في الحيرة بسبب وجود التناقض بين ما تنص عليه الآية وبين ما وضع فيها من معاني لا تنسجم مع ألفاظها، وحتى يتم قبول ذلك التناقض يتم التعامل مع الآيات على أنها مطلسمة لا يمكن استعيابها، وأن الأسلم هو الأخذ بتلك المعاني التي لازمتها على أساس أنها مضمونة المعنى، وهذا ما تتحدت به الآية (45).
كان الحديث عن الإلحاد في الآيات في آية (40) ثم انتقل للحديث عن الكفر بالذكر في الآية (41) يتبعه الحديث عن الحصانة الربانية التي يتمتع بها القرآن الكريم من العبث في آية (42)، أما الآيتان ( 43) و (44) فهما تتحدثان عن أحد ملامح ردود أفعال الرافضين للكتاب في زمن الرسالة، يقول الله تعالى:
﴿ مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ فصلت (43)-(44)
هتان الآيتان تتحدثان عن بعض ردود أفعال الرافضين للقرآن في زمن الرسالة، وتبينان ارتباط الماضي بالحاضر، فما يقال للنبي محمد (ص) من رفض هو نفسه ما قد قيل للرسل الذين جاءوا برسالات من عند ربهم، وأن هذه الفئة تبحث عن ثغرة لتبتعد عنه، ولو أن القرآن لم يكن بهذا الوضوح لهربوا عنه مطالبين بالتفاصيل، ولقالوا لو كان مفصلًا لاتبعناه، والحقيقة أنهم لا يريدون التفصيل من القرآن، وإنما يبتغونها من غيره، هذا الجنوح لتلك التفاصيل هو الذي يفتح لهم الباب للأخذ بالمعاني المضافة حتى ولو كانت تخالف الكتاب.
تتلوا هتين الآيتين آية تتحدث عن ما آل إليه كتاب التوراة بعد جنوح أتباعه إلى الإلحاد بدلًا من التمسك بالنص.
﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ﴾ فصلت (45)
الآية الكريمة تخبر عن الحال الذي صار إليه كتاب التوراة قبيل نزول القرآن، فقد اختلف الناس في فهمهم لأحكامه، وتباينت حول أحكامه الآراء، ولأن الآية جاءت عقب الحديث عن الإلحاد في الآيات، فهي تبيّن ضمنًا أن ذلك الوضع إنما كان نتيجة تلقائية للالتفات للفتن التي سببها الإلحاد، ليتضح أن المشكلة متكررة في كل الرسلات، وأن إرادة الله هي أن يمحص المؤمن في حقيقة تعلقه بالآيات.
﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ﴾ لقد أنزل الله عز وجل لموسى (ع) كتاب التوراة، ثم ورثه بني إسرائيل من بعده حتى يكون لهم نورًا وسبيلًا مرشدًا، ولكن ما آل إليه حالهم معه هو الاختلاف، والآية الكريمة لا تذكر هذا الاختلاف على أنه وضع مقبول ممن ورثوا الكتاب، بل تتحدث على أن ذلك الوضع يعبر عن ابتعاد عن حقيقة ما أنزل الله، وقد قضت مشيئة الله أن يبقى هذا الاختلاف ﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ لأن الله قد أجل المحاسبة ليوم القيامة، فالقضاء يأتي في ذلك اليوم ليظهر التأويل الحقيقي للكتاب، وتتبين الأسباب التي أدت لظهور هذه الاتجاهات المختلفة.
ثم إن الآية تؤكد على أن سببًا مهمًا وراء ذلك الاختلاف وهو الريبة في الكتاب ﴿ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ﴾ فالمشكلة لا تكمن في القوة العلمية، فقد تكون موجودة لدى كل الفرق المتخالفة، ولكن المشكلة في درجة ثقتهم وارتباطهم بالكتاب، ومن هنا يبدأ فهم الارتباط بين الإلحاد في الآيات الذي ذكرته الآية (40) والمشكلة التي تكشفها هذه الآية، فالريبة في الكتاب هي أحد نتائج تلك المدسوسات في معاني الآيات، وإذا أصغى القلب لها وأعطاها أهمية شغلته عن معاني الكتاب الحقيقية، وهذا ما تسميه هذه الآية بالشك المريب، وهذا الشك يُضعف الارتباط بكلام الله، ونتيجة لذلك تكون الغلبة للمعاني المضافة، ولأن كل فرقة لها معانيها الخاصة التي أضيفت في الكتاب، نتج عن ذلك التفرق والاختلاف في فهم الكتاب.
# الخاتمة
تستعرض الآيات في نهايات سورة فصلت مشكلة تواجد معاني باطلة ترافق الكتب السماوية وتزاحم معانيها الأصيلة، تبث بين الناس بالخفاء، غرض تلك المفاهيم هو إضافة أباطيل لم ترد في الكتاب، ويتم الأخذ بها حتى ولو كانت تخالف في جزئياتها بعض ما أنزل الله.
فهمنا أن الارتياب في الكتاب يقود إلى الاختلاف فيه هذا ما تحدثت به آية (45) ، وأحد أسباب ذلك الارتياب هو الافتتان بمعاني ومفاهيم ليست أصيلة ولا يمكن استنتاجها من ذات الآيات وإنما هي ملحودة فيه كما بينت آية (40).
آية (40) من سورة فصلت تُحذر المؤمن من الأخذ ببعض المعاني المتعلقة بالآيات، وعلى هذا فإننا مع القرآن الكريم أمام مسؤولية تمييز معانيه الأصيلة وعدم التأثر بالمعاني الدخيلة المخالفة لمفاهيم القرآن والتي لا أصل لها، وأن لا نسمح للآراء المخالفة لما نجده في بيانه أن تؤثر على ما نفهمه منه، حتى لا نبتعد عنه ثم نقع في الارتياب فيه ثم الاختلاف.