يحرفون الكلم عن مواضعه
| quranic-commands# مقدمة
إحدى التناقضات التي عاشتها طائفة من أهل الكتاب زمن الرسالة هي أنهم كانوا يريدون أن يبقوا على ما وجدوا عليه آباءهم، و يريدون أن يجعلوا من كتابهم مؤيدًا لهم في ذات الوقت، فلا هم قادرون عن الانفكاك عن الجزئيات الباطلة في دين آباءهم والتي ما أنزل الله بها من سلطان، ولا هم قادرون على الاعتراف بكفرهم ببعض الكتاب نتيجة لذلك الاستمساك، وبدًلًا من أن يعترفوا بخطئهم راحوا يخطئون النبي محمد (ص) ، وبدلًا من دعوة الناس للاستمساك بالقرآن الكريم واتباع الرسول، راحوا يدعون لأنفسهم وللتمسك بما هم عليه.
في المقابل كانت الكتب السماوية تقيد أصحابها بعقال بيانها الواضح وطرحها الجلي، ولكن الذين زاغت قلوبهم وأبصارهم إلى ما وجدوا عليه آباءهم اعوجوا عن ذلك البيان وجعلوا الآيات تتناغم وتنسجم مع عقائدهم الباطلة وأحكام الدين الموروثة عن آباءهم والتي لا أصل لها، واشتغلوا على التحرر من هذا القيد والخروج عن النص الكتابي البيّن، لتكون لهم الغلبة، وبهذا يظهر دين دخيل قبال الدين الذي أنزله الله عز وجل، ولكي يكون الدين كله لله كان البيان القرآني الذي كشف حقيقة ما كانت تفعله تلك الطوائف في تناولهم للكتاب.
واحدة من تلك الطرق المعوجة هي إخراج كلمات الكتاب السماوي عن مضمونها وهو ما ناقشه القرآن الكريم تحت مسمى تحريف الكلم عن مواضعه، والذي يعني إخراج كلمات الآية عن موضوعها الذي تتحدث فيه. تحريف الكلم عن مواضعه هو أشبه بإخراج القاطرة عن خط سيرها الذي تسير عليه، والذهاب بها إلى طريق آخر يميل إليه مريض القلب، فالكلمات هي ذات الكلمات، ولكنها تتحدث عن موضوع آخر غير الرسالة التي أرادها الله، وفي فهم هذه المشكلة أهمية بالغة بالنسبة لدارس القرآن الكريم، فهو من جهة يفهم الأساليب الخاطئة للتعامل مع القرآن من جهة ، ومن جهة أخرى يمكنه أن يفهم الأسلوب الأمثل للتعامل مع الآيات المباركة أثناء دراستها، إذ يجب أن نفهم السياق أولًا، ثم تحليل مضامين تلك الكلمات على أساس فهم السياق دون الخروج عنه.
في دراسة القرآن تكون البداية الصحيحة بفهم السياق من خلال دراسة المقطع ، ثم بعد فهمه ننتقل لفهم الكلمات بناءًا على فهمنا لذلك السياق وليس العكس، ندرس في هذا الدرس ثلاث آيات في ثلاث مواضع مختلفة في القرآن الكريم استخدمت عبارة " يحرفون الكلم عن مواضعه " وتعرضت للأسلوب المناقض لفهم الكلمات بناءًا على السياق، وبينت السلوك الخاطئ مع القرآن الكريم والكتب السماوية بسبب أمراض القلوب.
# يحرفون الكلم عن مواضعه
# الآية الأولى
يقول الله عز جل في سورة النساء في وصف طائفة من أهل الكتاب :
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنْ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ النساء (44)-(46)
توجه الآية الكريمة نظر النبي محمد (ص) إلى سلوك فئة من الذين هادوا الذين هم امتداد لبني إسرائيل والذين يعلمون بعضًا مما في كتابهم ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنْ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ﴾ الآية تقول أنه على الرغم من علم هذه الفئة بنصيب من الكتاب، أي جزء منه، إلا أنهم تركوا تلك المعرفة واشتروا بدلًا منها الضلالة، بما يعني أن ما علموه من الكتاب لم يؤثر في تغيير سلوكهم وتبديل ما هم عليه من ضلال، بل وعلى الرغم من علمهم ذاك إلا أنهم اتبعوا الضلال الذي ما أنزل الله به من سلطان، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ﴿ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ﴾ وعلاوة على ذلك يسعون لأن تنهجوا نهجهم وتسلكوا سلوكهم بالسير خلف ذلك الضلال، وهذا يعني أنهم راحوا يحاربون دعوة الكتاب رغم علمهم بها.
﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ﴾ هذه العبارة تقال حين لا يشعر الإنسان بعدوه، ويتعامل معه ويصدقه ويأخذ منه دون شعور بعداوته، ولما بلغ الحال كذلك قيل للمؤمنين: الله أعلم بأعدائكم، وهذا يعني أن هؤلاء أعداؤكم في الدين وأنتم لا تشعرون، لأن تأثيرهم عليكم كبير واستجابتكم لهم مباشرة، ولكن انظروا كيف يتعاملون مع كتاب الله حتى تحددوا العداوة جيدًا، وهذا يعني أن الله عز وجل يضع هذه الفئة التي تحاول أن تحرف المؤمنين عن ما أنزل الله في خانة الأعداء، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً ﴾ كفى بالله وليًا يتولى شؤونكم في الهداية وفي الرعاية الدينية، كفى به معلمًا وكفى به موجهًا وهاديًا، وكفى به ناصرًا لكم على أعداءكم، فلا تلجأوا لغيره.
﴿ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِه ﴾ من اليهود الذين ورثوا الكتاب يتعمدون أن يغيّروا مواضيع الكتاب على الرغم من علمهم بها، فيستغلون كلمات الكتاب من أجل توجيهها إلى موضوع آخر يتلائم مع أهوئهم، فيوجهوا الآية إلى موضوع آخر فتخرج الكلمات عن موضعها التي وضعت فيه، فتكون النتيجة أن الآية تتحدث في الأصل عن موضوع ولكنهم يتحدثون بها في موضوع آخر، وتستغل لإثبات الهوى وتغيير أوامر الله، ﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ ويوجهون الخطاب للنبي محمد (ص) أن سمعنا ما تقول يا رسول الله، وعينا أوامرك في الدين لكننا لم نطبق ما تقوله لأنه مخالف لما نفهمه من الكتاب الله.
﴿ وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا ﴾ هم هنا يطلبون من الرسول أن يسمع منهم، وحق عليك أن تسمع منا بعد أن سمعنا منك، فانظر في أمرنا واسمع قولنا، فقد قلت ما قلت في آيات الله وما تأمر به، فاسمع منا فقولك لا يقبل "غير مُسمع"، رغبة منهم أن يسمع منهم تحريفهم لكلمات الكتاب ﴿ لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ ﴾ لي اللسان هو إمالته على غير طبيعته، وفي هذا التعبير إشارة إلى طريقة الكلام ونغمته التي توحي للمستمع بصدق ما يدعي رغم كذبه، فهم يقولون ذلك على سبيل الكذب، ويريدون بذلك إمالته لرأيهم والإقرار بما يذهبون إليه من عقيدة أو أحكام بواسطة إحراف الكلم عن مواضعه. ﴿ وَطَعْناً فِي الدِّينِ ﴾ أي من أجل إضعاف دعوة الرسول وما يدعو إليه بطريقة ملتوية. وهذا ما يبين سوء إجابتهم للرسول حين أبلغهم بأوامر الله، فهم بادروها بالعصيان، وكان الطعن في الرسالة والتشكيك فيها بطريقة غير مباشرة حين حرّفوا الكلم عن مواضعه في التوراة.
ثم إن القرآن الكريم يبين الطريقة السليمة والصحيحة التي ينبغي أن يكون عليها المؤمن حين يستقبل أوامر الله ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ فهي بالمبادرة بالقول: سمعنا وأطعنا، فذلك هو ما يثبت المؤمن على الحق ويشرح صدره للحق، ﴿ وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ ﴾ واسمع منا - لا لكي نغير قولك أو لكي تميل ناحيتنا - ولكن لكي نفهم ما تقول ولكي تعطينا الفرصة للاستجابة لما تأمر به، ولو فعلوا ذلك لكان خيرًا لهم وأقوم، ولكان ذلك مدعاة لأن يأتيهم الخير من الله، وأن يقوّم سلوكهم مع الله فتعتدل أحوالهم للاستجابة لما يأمر، لكنهم لا يستطيعون ذلك بسبب كفرهم بما أنزل الله ﴿ وَلَكِنْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾.
الآية المباركة تبين سوء التعامل مع الكتاب من خلال تحريف الكلم عن مواضعه، وهو أن يتم استغلال ألفاظ الآية لصالح موضوع خاص في نفوس الذين في قلوبهم مرض ولإضعاف الحقيقة الصريحة التي يتحدث فيها كتاب الله، والذي حاولوا أن يصنعوه هو أن يغيبوا الموضوع الأساسي، وأن يستغلوا الكلمات لصالح موضوع آخر.
# الآية الثانية
يقول الله عز وجل :
﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ المائدة (13)
الآية تتحدث بخصوص أهل الكتاب، وتبيّن السبب الذي أوصلهم إلى ما وصلوا إليه في التعامل مع كتابهم المنزل، تقول الآية : ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ ﴾ أي لأنهم نقضوا الميثاق الذي كان بينهم وبين الله عز وجل، طردهم الله من رحمته، والميثاق هو الرابطة التي تربط المؤمن بكتابه، فالكتاب هو عهد الله وميثاقه الذي واثق المؤمنين به، والمؤمن ينقض الميثاق حين لا يلتزم ببنوده وبما جاء به، وهذا النقض من قبلهم استوجب نقض آخر من قبل الله عز وجل، وهو أن طردهم من رحمته وحجب عنهم حقيقة ما أنزله عليهم، وأزال عن قلوبهم الخشوع، فالخشوع هو الحالة المثالية لتلقي أوامر الله، فإذا حُرم الإنسان من ذلك فقد حُرم خير الكتاب ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ﴾ ونتيجة لهذه القسوة فقد تجرأوا على كلام الله وغيروا مواضيع الكتاب ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ يغيّرون مراد الكلام الذي أنزله الله فيقرأون كلمات الكتاب ولكن على موضوع آخر بما ينسجم مع الأهواء.
﴿ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ أي نسوا من كتاب الله جزءًا منه، وهذا النسيان يأتي على أساس الاعتبار، فالكتاب عندهم في اعتبار النسيان ولم يعد لكلام الله أي تأثير عليهم، لا على قلوبهم ولا في واقعهم، ولأن الآية الكريمة تخاطب النبي محمد (ص) فهي تخبره عن واقعهم معه ﴿ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ ﴾ أي لا تزال يارسول الله تتعرف – بين الحين والآخر - على خونة الدين والرسالة، إلا قليلًا منهم ، فلا يزال هناك القليل الذين لا تعلمهم، والخيانة في الدين لها علاقة بتبديل ما أمر به الله لمصالح شخصية ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ وعلى الرغم مما يطلع عليه الرسول من خيانة، إلا أن الله عز وجل يأمره بالإحسان معهم بالعفو والصفح عن تلك السلوكيات.
وفي هذه الآية يتبيّن أن تحريف الكلم عن مواضعه إنما هو سلوك نبع من قسوة القلب، ونقض لعهود الله، لأن قسوة القلب تجرئ الإنسان على كتاب الله وعلى كلماته.
# الآية الثالثة
يقول الله عز جل:
﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنْ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ المائدة (41)
﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ﴾ الآية الكريمة تخاطب الرسول بأن يرفع عن قلبه الحزن بسبب الذين عادوا للكفر بعد إيمانهم، وتكشف أن هناك فئات نكصت بعد إيمانها وارتدت على أعقابها، وسارعت بالعودة للكفر مرة أخرى، وذلك لأنهم آمنوا بأفواههم ولكن لم تستقر قلوبهم على الإيمان، ثم تخصص الحديث عن الذين هادوا ﴿ وَمِنْ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ وتبيّن أنهم بدلًا من أن يُوفوا لكتابهم راحوا يستمعون للأكاذيب في الدين، والكذب هو الافتراءات التي ما أنزل الله بها من سلطان، أما الصدق فهو الحق المنزل من عند الله، فهذه الفئة المعنية بالحديث تكثر سماع الكذب، وقلوبهم متوجهة للباطل والأكاذيب، وهذا الاستماع يقود للتأثر به، والاستجابة له، وسماعون لقوم آخرين لم يأتوا النبي محمد (ص) ولم يعلنوا إيمانهم وتصديقهم بالرسالة ذلك لأنهم لم يؤمنوا برسالة النبي وبقوا على معتقداتهم، وأصبح دورهم هو تشكيك من آمن بالرسول في الرسالة وإعادته عن إيمانه لما كان عليه.
﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ﴾ يسيّرون الكلام الذي في الكتاب عن مساره لينحرف إلى ما يهوون من مواضيع ومعتقدات باطلة ليثبتوا ويُثَبِتوا غيرهم على ماهم عليه، فالكتاب بهذه الطريقة يتحدث بما يعتقدون، وهم بهذا إنما يخدعون أنفسهم ليرضوا أهواءهم على حساب آخرتهم، لم يكتف سعيهم في إرضاء أنفسهم بل تجاوزه إلى زعزعة إيمان الذين انجذبوا بادئ الأمر إلى النبي محمد (ص) وإلى دعوة القرآن، فإيمان هذه الفئة تزعجهم وتفسد عليهم حلاوة الباطل الذي يعيشونه، فراحوا يفسدون ما أصلحه القرآن ﴿ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ﴾ أي من بعد أن أعاد القرآن الكريم المواضيع الصحيحة التي تتحدث فيها كتب الله، هم أعادوا تبديلها إلى ما يهوون بهذا التحريف، ويوجهون الخطاب لمن آمن ﴿ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ﴾ يقولون لهم، إن أوتيتم هذه المعتقدات وهذه الأوامر من الرسول ومن دعوة القرآن فخذوا بها، وإن لم تؤتوها فاحذروا، فهم يحذّرون من الرسول والرسالة خوفًا على أصحابهم من أن يحرفهم عن العقيدة التي يعتقدونها، فقد قيّدوا المعيار الحقيقي المتمثل في الكتاب، ليصبحوا هم أصحاب المعيار.
والآية الكريمة تبين تأثر الكثير من الفئات التي آمنت بهذه الدعوات وارتدادها نتيجة لذلك على أعقابهم وافتتانهم في دينهم ﴿ َمَنْ يُرِدْ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً ﴾ والفتنة هي الانشغال بشيء غير أساسي أو غير صحيح عن الشيء الأساسي والمهم، وقد انشغلت تلك الطوائف بأقوال من يزخرفون القول، ويحرفون كلام الله عن مواضعه، أي عن المواضيع الأساسية التي يتحدث فيها الكتاب، وهذا الإنسحاب التدريجي عن الرسالة لا شك وأن له تأثيره في أوساط المؤمنين ويؤلم الرسول، ويأتي هذا الخطاب الرباني ليتحدث عن حقيقة تلك الطوائف في خضم سعى الرسول لإيقاف هذا الانجراف نحو الهاوية : ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ هؤلاء لم يطهروا قلوبهم من ماضيهم لذلك كانت فتنتهم سهلة سريعة، ولأنهم أبقوا تلك المخلفات في قلوبهم تركهم الله في غيهم، ولم يرد سبحانه أن يكونوا مع المؤمنين، وتختم الآية ﴿ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾.
# الخاتمة
واحدة من أكبر أسباب انحراف أهل الكتاب في زمن الرسالة هو مرض القلب وعدم تطهره بالكامل من أدران الماضي المخالف لما أنزل الله، الأمر الذي يؤدي إلى استسلام جزئي لكتاب الله، والله عز وجل يريد من المؤمن استسلامًا كليًا لكتبه وآياته، هذه الأمراض تعيق التعامل السليم مع كتاب الله، وتلجئ صاحبها لطرق ملتوية لفهم ما لا يتحدث به الكتاب، و إحراف الكلمات عن مضمونها الحقيقي وإخراجها عن السياق التي وردت فيه، وهذا بدوره يؤكد ضرورة أن يبدأ المؤمن في دراسة الكتاب بتطهير قلبه ليبدي استسلامًا كاملًا وتامًا لكلمات الله.
لقد درسنا وفي ثلاث مواضع مشكلة " تحريف الكلم عن مواضعه " والذي يعني إخراج كلمات الآيات عن السياق الذي جاءت فيه، وتبيّن لنا أن السبب الرئيس وراء هذا السلوك الخاطئ هو مرض القلب وزيغه إلى حقائق أخرى لم ترد في كتب الله، وبفهمنا للمرض والأسلوب الخاطئ لأصحاب ذلك المرض نكون قد فهمنا ضمنًا الطريق الصحيح للتعامل مع كتاب الله, وهو بتطهير القلب من التعلقات والموضوعات الخارجة عن الكتب السماوية و اتباع منهجية فهم الموضوع أو السياق أولًا، ثم الذهاب لفهم الكلمات بناءًا على ذلك السياق، فالموضوع هو موضع الكلمات الصحيح وهو الذي يحدد الاتجاه الذي على أساسه نفسر الكلمات ونفسر بقية الظواهر، أما إذا حاولنا فهم الآية بدءًا من الكلمات فإننا نفتح الأبواب للتأويلات، وهذا ما قام به أهل الكتاب الذين لم يستسلموا لكتاب الله، فقد استطاعوا بالخروج عن الموضوع من خلال استغلال الكلمات لتنطق بما يهوون.
وهذا بدوره يقودنا لتراتبية مهمة في طريقة الفهم، وهي أن نذهب أولًا للإجابة على سؤال : "ماذا" قبل الذهاب للإجابة على أي سؤال آخر، ولكي ندخل في أجواء هذا السؤال، علينا أن نفهم أن القرآن الكريم رسالة، ونحن معنيون بإدراك هذه الرسالة، فلا يصح أن نتوجه لأي عنوان أو فكرة قبل أن نتوجه لفحواها وفهم الرسالة المباشرة منها، فلو أن أحدهم أرسل رسالة تحذير من اقتراب عاصفة أو زلزال أو كارثة في منطقة ما، فإن مستلم الرسالة معني بالتفكير في فحوى الرسالة وما يترتب عليه بعد تلقيه إياها بصورة أولية، قبل أن يذهب للتفكير في كيف وصلته، أو لماذا استخدم صاحب الرسالة هذه اللفظة دون غيرها، أو ما السر وراء وجود إطار خارجي في الورقة وما إلى ذلك من أسئلة، كل ذلك يمكن الذهاب إليه لاحقًا، ولكن الأهم هو الانشغال في موضوعها الأساسي والذي هو إجابة على سؤال: "ماذا أراد صاحب الرسالة؟" أو "ما الرسالة المطلوب إيصالها ؟" وبالتالي فإننا نلجأ لسؤال " ما هو موضوع هذا النص؟" .
العبارة القرآنية المباركة "يحرفون الكلم عن مواضعه" تفضح الفعل المخالف للتعامل مع كلام الله عز وجل، وهي في ذات الوقت تبيّن التراتبية المنطقية لفهمه، فالفهم يبدأ من إدراك الموضوع، وهذا الترتيب له أهمية لأنه يوقف التشتت، ويلغي تعدد الآراء ، فإذا فهمنا الموضوع الذي تتحدث فيه مجموعة من الآيات فقد فهمنا موضع كل كلمة من كلمات القرآن التي وردت في ذلك النص المقدس والتي نتساءل عن معناها، وتمكنا من وضع الإطار الصحيح لاتجاه الكلام، بعد ذلك يمكن الذهاب إلى التفاصيل أيًا كانت تلك التفاصيل.