مدونة حلمي العلق

لكل نبي عدو

 | quranic-commands

تمهيد

القرآن الكريم ليس كأي كتاب،هو كتاب بلغة عالية لا يصل إليها أحد، يكتنز في آياته الكريمة الكثير من العلوم في كلمات قليلة، لغة يصل معناها المجمل بالإحساس قبل أن يصل معناها التفصيلي بالدراسة، ليس بينه وبين المؤمن حجاب، إلا أن يحجب المؤمن نفسه عن نور الآية ﴿ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ النور (35)

إلا أن لهذا النور أعداء ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾ التوبة (32)، أعداء يريدون أن يحجبوا ذلك النور بكلماتهم وأقوالهم وبما يبثونه من إفساد يحول بين المؤمن وبين كتابه، ومن أجل تشتيته عن الفهم الحقيقي لما أنزله الله. إلا أن هذا الكتاب كريم في عطائه ولا يحجب نوره عن أحد، إلا أن تنحجب الناس عنه بأعمالهم وأفكارهم التي زرعت في عقولهم، فيحكمون على معانيه بمفاهيم مسبقة تقيد ما يتحدث به من معاني، ويصادرون نداءاته بتصورات جاهزة، فيجتزءون منه ما يتوافق مع أهوائهم ويساير أفكارهم.

نور القرآن لا يتحرك في قوالب ضيقة مصطنعة، بل يجري في سعة من الفضاء الرحب، وإذا تدفقت رحماته في ذلك الفضاء أعطى عطاءه وأخرجت الأرض خيرها وخضرها وأنبتت من كل زوج بهيج، فلا يُقيد الأعلى بالأدنى، لأن الأعلى هو الأعلى. وقد يتمكن الشيطان من وضع السدود والحواجز، وقد يصطنع طرقًا لتصريف هدى القرآن، قد يتمكن من ذلك فقط إن نحن أخذنا بما يفتعله من أفكار وأعطيناها أهمية وأولية في عقولنا وقلوبنا، أما إن نحن آمنا بعلو القرآن، ورفعناه فوق كل القيود والحواجز فلن يجد الشيطان سبيلًا إلى حجب ذلك العطاء الرباني الكبير.

لقد توعد الشيطان أن يصطنع الحواجز وأن يقف حائلًا بين الناس وبين صراطهم المستقيم، وتوعد أن يأتيهم عن أيمانهم وعن شمائلهم ومن بين أيديهم ومن خلفهم لكي لا يكون أكثرهم شاكرين ولا عابدين ولا لله مخلصين، و منشأ انطلاقته لتحقيق ذلك الهدف هو تعطيل معاني الكتاب، ولتحقيق ذلك الهدف عليه أن يغيير فكر المتلقي، فالرسم الكتابي محفوظ بحفظ الله ولا وسبيل لتبديله، ويبقى السبيل في إحداث الفتنة وإشغال العقل و توجيهه باتجاه آخر غير الذي يوجهه الكتاب، و بالتشتيت والإبعاد عن الحقائق وأصول المواضيع التي يتحدث فيها.

لقد أولى القرآن الكريم اهتمامًا بالغًا في كشف وفضح مكائد الشيطان لأتباع الكتب السماوية، و بين ما الذي يسعى لفعله في عقول المتلقين له، وإن الشيطان ليعلم أن العقل يملكه الذي يسبق إليه، فالفكرة التي تسبق غيرها تحتل أعلى المراتب وتصعد أعلى درجات الثبات وتملك العقل خصوصًا إن دخلت من باب يهواه الإنسان، ويعلم أيضًا أن العقل يؤوّل القول إلى ما استقر في عقله مسبقًا، فحين نضع لعقل البشر أفكار ومفاهيم تسبق مرحلة استقبال الكتاب السماوي سيتبدل نتيجة لذلك فهمه لما يقرأ، لأنه حينها سيقرأ افكاره ولن يقرأ الكتاب، فبعد أن نغير المرجعية العليا التي تتحكم في العقل تتغير طريقة استقبال الآيات، وبذلك سيتمكن الشيطان من تغيير المعاني، لأن القارئ سيؤول ما يقرأه إلى ما استقر وثبت في عقله مسبقًا.

القرآن الكريم يكشف للمؤمنين ذلك العبث الشيطاني للعقل البشري، ويحذرهم من تلك المكائد، ويبين لهم الطريقة التي يستطيعون من خلالها أن يكتشفوا أساليب الشيطان حتى لا يقعوا في الخدعة، وحتى لا يظن المؤمن أنه متمسك بالكتاب ليتفاجأ في يوم كشف الحقائق أنه كان في واقع الأمر متمسك بأفكار مسبقة استطاع الشيطان أن يزرعها في عقله، فقرأ كتابه بها، دون أن يمس شيئًا من مواضيع ومفاهيم الكتاب، إنه الخداع الذي يستهدف تبديل المعاني بتشويش العقل، وهذا ما تحدثت عنه مجموعة من الآيات المباركة منها آيات كريمة في سورة الأنعام تلك التي قررت في مطلعها أن لكل نبي عدو.

تتحدث سورة الأنعام ومن الآية (112) عن أعداء النبوة وتكشف واحدًا من أهم مسببات تشتت أهل الكتاب السابقين عن كتابهم وابتعادهم عن حقائقه، وتبيّن أن السبب لم يكن في عدم توافر الأدوات العلمية فقد كانوا علماء ومع ذلك يصف علاقتهم بالكتاب بالارتياب، أما هذه الآيات الكريمة فتبين أحد أهم مسببات ذلك الارتياب وهو فتن الشياطين التي كانت تؤثر على عقول أتباع الرسالات وتشتتها، وتعنون ذلك العمل بعداوة الأنبياء ، لأن الأنبياء هم الوجه الآخر للنبوة، وأعداء النبوة يوجهون سهام عداوتهم إلى الأنبياء، فبالطعن فيهم وتغيير حقيقتهم في عقول أتباعهم تتبدل النبوة.

درسنا سابقًا مسببات سوء فهم الكتاب من خلال دراسة سوء التعامل مع الكتب السماوية، وتبين أن تلك الأساليب كانت تؤدي إلى إفساد الفهم وتنتج الاختلافات، فسوء التعامل مع القرآن بدأ وبتعمد من وقت مبكر، وقد حذر القرآن من ما يبثه أولئك المغرضين من تشويش لفكر المؤمنين وإبعادهم عن مواضيعه الحقيقية، ولقد نقل لنا القرآن الكريم أخبار من يحرفون الكلم عن مواضعه، وآخرين يتخذون القرآن عضين، وغيرهم ممن يلحدون في آيات الله ماليس فيها، كل ذلك الكشف القرآني هو في حقيقته تحذير وتبيان، تحذير من التعامل مع الكتاب بواحدة من تلك الأساليب، وتبيان في ذات الوقت للأسلوب الأمثل والطريقة الصحيحة لدراسة القرآن.

ثمة أسلوب آخر يحذر منه القرآن ويبينه في عدة مواضع، ويعود بجذور إفساده إلى شياطين الجن والإنس، وهو تشويش فهم الكتاب المنزل وضرب النبوة وإفساد قيمها باسم النبي، في هذه المجموعة من الحلقات نستعرض بعض الآيات التي تتحدث عن ذلك الأسلوب في محاولة لكشفه ولأخذ الحذر من التأثر بأساليب التشويش تلك على دارس الكتاب.

ندرس جانبًا من هذه العدواة في سورة الأنعام من الآية (112) وحتى الآية (117) .

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ۝ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ ۝ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ ﴾ الأنعام (112)-(114)

هذه الآيات الكريمة تفسر للنبي محمد (ص) في زمن الرسالة حالة أهل الكتاب، ولماذا هم يزعمون أنهم أهل كتاب لكنهم ليسوا متمسكين بتعاليمه، ولماذا وعلى الرغم من تصديق القرآن لما لديهم إلا أنهم في حالة من التردد بالأخذ به والإنصياع التام لأوامره، وتشير في ذلك إلى حقيقة غيبية تتمثل في وجود شياطين من الإنس والجن عبثت في عقائدهم وأحكامهم وعقولهم حين ابتعدوا عن كتابهم.

لكل نبي عدو

يقول الله عز وجل في سورة الأنعام :

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ الأنعام (112)

عندما تبدأ الآية الكريمة بقوله تعالى : ﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ فهي تربط الحديث التالي بالسابق، وتقول بمثل ما سبق من الأحداث أو الأقوال أو المواقف، فتضيف للموضوع نفسه ما يشرحه أو يبينه، وهنا تقول: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً ﴾ أي أن ما يفسر ماسبق هذه الآية من مواقف وكلمات صدرت من المشركين أو المعاندين إنما هي بسبب أنه سبحانه جعل لكل نبي عدوا، وهذه العبارة تؤكد أن لا استثناء لنبي دون آخر، فكلهم يتعرضون لهذه العداوة،ولهذه العداوة ممارسات تناقض ما تتحرك من أجله الدعوة، وهذا العدو لا يمارس عداوته ضد شخص النبي وإنما في حقيقتها ضد النبوة، فعدو النبي إنما هو عدو للمرسل وهو الله عز وجل.

ونلتفت في هذه الآية المباركة إلى قوله تعالى : " جعلنا " وفيه إشارة إلى أن الله إذن لهذا العدو في ممارسة عداوته، وهذا يؤكد نفس الإذن الذي درسناه في الحلقة السابقة حين تحدثنا عن موضوع الإلحاد في الآيات، والذي قالت فيه الآية " اعملوا ما شئتم " ، فالله أذن أن يفعلوا ما شاءوا لحكمة هو يريدها سبحانه في اختبار الناس في تعلقهم وتمسكهم بالكتاب، وهنا ايضًا، نرى أن الآية تؤكد على نفس المعنى حيث تقول الآية " جعلنا " وهذا الجعل يفهم على أن مشيئته اقتضت أن يسمح لؤلئك الأعداء بممارسة دورهم في هذه العداوة، لأن الأمور لا تسير بخلاف مشيئته وإرادته، ولأن الحديث عن رسالة السماء فلا يصح أن يقال أن هؤلاء الأعداء مارسوا عداوتهم وهم معجزين لقدرة الله، بل جرت تلك الأفعال تحت بصره وإنفاذًا لمشيئته.

ثم إن الآية الكريمة تبيّن نوع هذا العدو، فمنهم من هو من شياطين الإنس، ومنهم من هو من شياطين الجن ﴿ شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ ﴾ وهؤلاء الأعداء يتواصلون فيما بينهم بخفاء من أجل تحقيق أهداف عدائية ضد الرسالة ﴿ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴾ شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس، وهذا الوحي عبارة عن كلمات لها وقع على الآذان، وتتأثر بها وتتطلع لها بعض النفوس فتقبلها، ﴿ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ﴾ الآية تصف هذه الكلمات بالزخرف، وهو الشيء المزين في ظاهره، والمزخرف من القول يعجب السامع، ولكن هذا الزخرف يوظف في صالح إيقاعه في الغرور، ويبدو أن العداء للرسالة يكمن في تقبل ذلك الغرور المزخرف، ذلك القول الذي يجعل السامع يغتر بأفعال أو عقائد لأنها وصلته بصورة قول مزخرف، ولكنها في الحقيقة باطلة وتخالف مضامين الرسالة.

ثم تختم الآية الكريمة هذا التبيان بإيضاح مشيئة الله التي جرت في هذا الأمر ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ﴾، فقد فعلوا ما فعلوا بإذن منه سبحانه، وهذا الفعل أصبح شيئًا قائمًا يؤثر على من آمن بالكتاب، وعلينا أن نلحظ أن هذا الفعل قائم أثناء تنزيل رسالة القرآن، فقضية العداوة قائمة لكل نبي منذ بعثته لإبطال دعوته المتمثلة في الآيات المنزلة من عند الله عز وجل، وتأتي خاتمة الآية بمخاطبة الرسول : ﴿ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ الأمر الذي يؤكد أن ما يقومون به من عداوة إنما يكون بالكذب المزخرف على الله، والآية المباركة توجه النبي محمد (ص) بعد هذا التبيان أن اتركهم وشأنهم فلهم حساب يوم يلقون الله.

تكمل الآية التالية في ذات الموضوع فتقول :

﴿ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ ﴾ الأنعام (113)

هذه الآية الكريمة تكشف حكمة هذه المشيئة في ترك هذا الصنف من الأعداء في ممارسة هذه الأعمال العدائية تجاه الرسالة بقولها : ﴿ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾ لقد أذن الله بأن تقال تلك الأكاذيب وتنتشر وتصل إلى الناس من أجل التمحيص، وإخراج الأمراض القلبية التي ترتاب في رسالة السماء، الآية الكريمة تقول : ﴿ وَلِتَصْغَى ﴾ والإصغاء هو الإستماع برغبة وميل للنفس نحو ما يتم استماعه، وهذا يشير إلى أن هناك قلوب تهوى مثل هذه الأكاذيب في الدين وتميل لها لأنها لا تؤمن الإيمان التام بالآخرة ولذا ميزت الآية من هم الذين يصغون لمثل هذه الأكاذيب ﴿ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾، وهنا تبيان إلى وثاقة الارتباط بين حقيقة الإيمان بالكتاب المنزل وبين الإيمان الحقيقي بالآخرة.

ثم إن الآية نفسها تبيّن أن هذا الميل يتحول إلى قبول ورضا ثم إلى تطبيق عملي : ﴿ وَلِيَرْضَوْهُ ﴾ ثم إن الآية الكريمة بيّنت أن هذا الرضا يتحول إلى تطبيق عملي ﴿ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ ﴾ لقد كفل الله عز وجل الحرية للإنسان في اختيار النص الذي يتعبد به إلى الله، فهو يملك الحرية في أن يرتضي ما أنزل الله من الآيات، أو أن يميل إلى ما يهوى من الأكاذيب، ثم يتحول ذلك القبول إلى تطبيق عملي في حياته، فيداخل قلبه الغرور بتلك الأكاذيب ويظن أن لها وزن يوم القيامة.

ثم إن الآية المباركة تطرح تساؤل المقارنة بين الأكاذيب وبين ما أنزل الله من نور وهدى:

﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ ﴾ الأنعام (114)

تطرح هذا التساؤل الاستنكاري بصيغة الرسالة التي يوجهها النبي محمد لقومه ولمعانديه في هذا الشأن ﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً ﴾ يوجه الرسول (ص) القول لهم: هل أقبل حكمًا من أحد غير الله؟! كيف تقبلون أن يحكم لكم في دينكم غيره سبحانه؟ أنتم بقبولكم أكاذيب ما أنزل الله بها من سلطان والاعتماد عليها وبتطبيقها في واقع حياتكم إنما اتخذتم غير الله حكمًا وأنتم لا تشعرون، فلا ينبغي أن تقبلوا بغير الكتاب حكمًا لأنه يمثل جهة الله، ويمثل حكم الله ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً ﴾ وبعد أن أنزله لكم مفصلًا لا ينبغي ابتغاء الانحراف عنه، ونلحظ هنا ذكر التفصيل كما جاء في آيات الإلحاد في سورة فصلت حين قالوا " لولا فصلت آياته " ؟! وكأنها تبين تهمتهم للكتاب أنه غير مفصل والت يراد من خلالها شرعنة الابتعاد عنه.

ثم تختم الآية الكريمة بقولها ﴿ وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ﴾ تخبر عن القرآن الكريم، وتبين أن الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب أصحاب الكتب السماوية السابقة يعلمون أن كل كلمة من هذا القرآن حقيقة لا جدال فيها وأنه إنما جاء مصدقًا لما بين يديه، ﴿ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ ﴾ والإمتراء في الكتاب يكون من نتائج التأثر بأولئك الذين بثوا تلك الأكاذيب ومارسوا عداوتهم تجاه القرآن الكريم من أجل تشكيك الناس في معانيه.

هذه الآيات المباركة هي في سورة الأنعام بداية الجزء الثامن من الآية (112) وحتى الآية (114) ، نقف عند هذا المقطع من الآيات للنظر إليه بشمولية أكثر لمعرفة الترابط بين الآيات، ونركز في ثلاث كلمات هامة: "عدو" ، " زخرف القول" و "غير الله" ، الآية الأولى بينت الموضوع وهو عداوة النبي، الآية الثانية بينت وسيلة تلك العداوة وهي الإيحاء بزخرف القول، و الآية الثالثة بينّت نتيجة ذلك العمل على المتلقي وهو الابتعاد عن كتاب الله، واتخاذ حكم غير الله، وبهذا نفهم أن أهل الكتاب في زمن نزول القرآن الكريم، ابتعدوا عن كتابهم ووقعوا في الشرك، بسبب اتباعهم لزخرف القول الذي صدر من أعداء الأنبياء وهم لا يشعرون.

يقول الله عز وجل في الآيات التالية من آية (115) وحتى (117) :

﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ۝ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ۝ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ الأنعام (115)-(117)

هذا المقطع من الآيات الكريمة يستكمل الحديث على نفس الموضوع، الآية (115) عندما تقول ﴿ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ﴾ تؤكد على أنه لا تبديل لكلمات الله بين رسالة نبي الله موسى (ع) و رسالة النبي محمد (ص)، فمضمون هذه الرسالات واحدة لا يتبدل، وهذا ما يؤكد أن هناك محاولات للتفريق بين الرسل، وهذا ما يعمل من أجله أعداء الرسالات من شياطن الجن والإنس.

أما الآية (116) فتؤكد على أن الحقيقة ليست مرهونة بالأغلبية، وهذا ما يشير أيضًا إلى أن الأغلبية جنحت نحو الباطل وتركت الحق المنزل من عند الله، أما خاتمة هذا المقطع بالآية (117) فهو يؤكد لأتباع القرآن الكريم أن ما تأخذونه من حقائق قرآنية هو حقيقة من عند ربكم، ومن خلال هذه الحقيقة تتكشف لكم حقائق الديانات من حولكم، فهذا القرآن هو الذي يحدد لك الضلال من الهدى، ومن يسير على الضلال ومن يسير على الهدى.

الخاتمة

عداوة الأنبياء نبعت من عداوة المشروع الرباني، فهي عداوة للنبوة، وهي مشكلة متجذرة في تاريخ الرسالات، والآيات المباركة تكشف لنا تلك الأعمال العدائية ليكون أتباع الرسالات على معرفة وبيان ووضوح، ولكي تستبين سبيل المجرمين فيتخذ منها المؤمن موقفًا حذرًا ، فقد يفتتن المؤمنون بكلمات مدسوسة هدفها تغيير حقائق الكتب السماوية والتفريق بين الرسالات. كتاب الله محفوظ بحفظ الله ولا يتمكن أعداء الرسالات من تبديل رسمه، ولكنهم استطاعوا من جهة أخرى تبديل كيفية تلقي كلام الله بأكاذيب مزخرفة.

درسنا سابقًا وتحت عدة عناوين الأساليب الخاطئة التي يتم التعامل بها في دراسة القرآن الكريم، بدأنا وتحت عنوان يحرفون الكلم عن مواضعه وفهمنا من خلال هذا العنوان ضرورة جعل موضوع الآية أساس في فهم الكلمات الخاصة في الآية، ثم وتحت عنوان فتنة التأويل والتي درسنا فيها آية (7) من سورة آل عمران فهمنا التأويل واتضح لنا وجوب أن نحكم الآية المتشابهة بالآية المحكمة، وأن نأول الآيات إلى مفاهيم أساسية في القرآن، لا أن نأولها إلى خارج القرآن الكريم، ثالثًا وتحت عنوان "جعلوا القرآن عضين" أدركنا خطورة أن نقتطع عبارات محددة من الآيات حتى نضفي عليها المعنى الذي نريد، فالآية يجب أن تكون في سياقها، ولا يجوز اقتطاعها، وأخيرًا وفي الحلقة السابقة : توقفنا عند عنوان " الإلحاد في الآيات" والذي يعني إقحام معاني باطلة للآيات، والآيات لا تتحدث بها.

هذه الحلقة حملت بيانًا لأحد طرق ذلك الإلحاد، فالإلحاد يكون في أحد صوره ببث كلمات مزخرفة، تنجذب لها النفس وتعتبرها جزء من الدين، ولكن مؤداها هو الابتعاد عن حقائق الكتب السماوية، وتبين أن هناك من يعمل على بث ذلك الزخرف، وقد وصفهم القرآن الكريم بأنهم أعداء الأنبياء، أي أعداء الرسالات السماوية، وهذا ما يؤكد ما توصلنا إليه في الحلقة السابقة وهو وجوب الالتفات إلى مدى مطابقة ما يشاع عن فهم الدين أو القرآن مع منطوق الآيات، وأن لا تؤخذ المعاني والكلمات اعتباطًا دون التحقق من مدى التطابق.

علينا أن نبني ثقافة قرآنية صادقة ومتينة حتى نؤول القرآن لها، ولا نعتمد على أفكار لا نعلم مصدرها فالقرآن يؤول بالقرآن، وعليه نقرأ القرآن فنلبي نداءه لا أن نقرأ أفكارنا ونلبي أهواءنا ونحن لا نشعر.