فتنة التأويل
| quranic-commands# مقدمة
الكتاب السماوي كان ولازال هو المشكلة وهو الحل، مشكلة لأولئك الذين رأوا كتابهم بعين ما ألفوَا عليه آباءهم، وهو الحل لأولئك الذين رأوا ما وجدوا عليه آباءهم بعين كتابهم، كل الذين لم ينقادوا لكتابهم السماوي انقيادًا تامًا والذين آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض، لم ينفكوا عنه انفكاكًا كليًا بل حاولوا أن يجعلوا الكتاب تابعًا لهم بدلًا من أن يكون متبوعًا، و أن يتحدث بما هم عليه، هم لا يريدون الكتاب مصححًا ولكنهم يريدونه مؤيدًا داعمًا دليلاً على صدق ما ورثوه وألفوه، وهذا هو الذي خلق المشكلة، مشكلة التناقض بين الواقع والنص المنزل، وهذه المشكلة هي التي خلقت مشاكل أخرى منها الابتعاد عن الكتاب، أو إخفاءه، أو تحريف كلماته، أو تأويله.
تعرض القرآن الكريم لكثير من تلك الحالات التي كان منشأها عدم القدرة على مواجهة النفس بحقائق الكتاب المنزل، بل وحذّرت آياته من مغبة اتباع تلك الطوائف التي همها أن تُثبت صِدق ما هي عليه من القرآن، وتدعو من اتبع حقائق الآيات للتراجع عن تلك التبعية، فتلك الطوائف لا ترضى أن ترى غيرها منتهجةً نهجًا قويمًا كما أمر الله، والذي يرضيها هو أن يسير الجميع على نهجها المعوج، لذا راحت تأخذ بالكتاب ولكن بطرق ملتوية، وتثبت ومن خلال الآيات ما تهواه متذرعة بالتأويل وتبديل المعاني.
آية (7) من سورة آل عمران تتعرض لمشكلة التأويل النابعة من سيطرة الأهواء، الآية المباركة لم تعرض المشكلة وحسب، بل وطرحت الحل جليًا بما يُعطي مسارًا بيّنًا واضحًا في كيفية فهم القرآن بعضه ببعض، وذلك بعدم إخراج مواضيعه التي يتحدث فيها عن مسارها الذي أراده الله لها، والآية الكريمة لا تعرض المشكلة على أساس كونها مشكلة فكرية بحتة، بل تذهب إلى أصلها المتجذر في القلوب وهو الميل إلى شيء آخر هو خارج الكتاب، الآية تسمي ذلك الميل زيغ، ذلك الزيغ هو الذي يدفعهم لتجاوز ما تسميه الآية بالآيات المحكمات وعدم الأخذ بها، واللجوء للمتشابهات رغبة في إثبات ما لا ثبات له، وإبقاء ما لا دليل عليه، وهو بمعنى آخر محاولة لشرعنة ذلك المألوف من الموروث وجعل القرآن يتحدث بما تهواه النفوس. الآية المباركة تحاصر أحد أساليب الإعوجاج في التعامل مع الذكر الحكيم، وتشير إلى العلاج ببيان أنه إذا كنتم قد اعتمدتم على أن الكتاب المنزل هو المرجعية العليا، يبقى أن تعتمدوا عليه لكي يكون مصدرًا للتأويل ومصدرًا لإحكام ما اشتبه عليكم فهمه.
لقد وجدنا في الدرس السابق كيف أن فريقًا من أهل الكتاب حاولوا أخذ كلمات الكتاب باتجاهات أخرى غير مرادها وأخرجوها عن سياقها لنفس العلة، ولكي يستخدموا تلك الكلمات في مواضيع أخرى ليست هي مراد الله، في حالة أسمتها الآيات بتحريف الكلم عن مواضعه، آية (7) من سورة آل عمران تتحدث عن الهروب عن مراد الله في الآية وذلك بفصلها عن مجمل القرآن، و تناقش نفس المشكلة ولكن من زاوية أخرى، فتحريف الكلم عن مواضعه يعني إخراجها عن السياق الخاص الذي وردت فيه، أما التأويل فهو إخراج الآيات عن السياق العام لمفاهيم القرآن المشار إليها في آيات أُخر، هي التي أسمتها آية (7) بالآيات المحكمات، و إذا كان مفهوم الكتاب السلطان تكمن في رفض أن يتبوأ كتاب آخر مرتبة الآمر الناهي بصورة صريحة ومباشرة، فالفكرة في آية التأويل محط الدراسة تكمن في أن لا نسمح لأي جهة أخرى أن تتبوأ هذه المرتبة بطريقة غير مباشرة، ولا نقبل لأي مصدر أن يتبوأ مرتبة المأول لما في الكتاب! نحاول أن نستعرض هذه الآية الكريمة لفهم مشكلة التأويل، ثم ومن خلال ذلك الفهم يُمكننا إدراك الأسلوب الذي يرتضيه القرآن للدراسة.
# فتنة التأويل
يقول الله عز وجل في بدايات سورة آل عمران:
﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾ آل عمران (7)
تبين هذه الآية المباركة الكيفية التي يتعامل بها الذين في قلوبهم مرض مع آيات القرآن الكريم، وتكشف تحيّزهم إلى معتقداتهم، وأنهم لا يريدون أن يأخذوا ببعض تعاليم القرآن ولا أن يستسلموا لها، وتسمي ذلك التحيّز بزيغ القلوب، والذي يعني ميلان تلك القلوب إلى جهة أخرى، ويَظهر ذلك التحيز في محاولتهم لجعل القرآن متحدثًا بما يهوون، لذا يبحثون عن ما يشبه معتقداتهم فيه. ومن خلال فهمنا لسلوكهم الخاطئ ندرك كيف يجب أن نتعامل مع القرآن، وكيف يمكننا أن نفهم الآيات المتشابهات وذلك بردها إلى الآيات المحكمات، وهذا ما يؤكد ضرورة دراسة القرآن دراسة متأنية حتى يصل المؤمن لدرجة الثبات والرسوخ فيما علمه من كتاب الله.
تخاطب الآية الكريمة النبي محمد (ص) وتقول: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ﴾ والكتاب هو مسمىً عام لكل الكتب السماوية، ثم تصنف الآيات إلى محكم ومتشابه: ﴿ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ ﴾ المحكم هو الذي لا يحتاج للتأويل، نقول عن شيء مغلق أنه محكم إذا لم يتمكن أحد من أن يصل إلى طريقة لفتحه، فنقول عنه أنه محكم الإغلاق أي لا سبيل لفك ذلك الإغلاق بأي وسيلة، هذا في خصوص الأشياء المادية، أما بالنسبة للآيات فهي تحوي في مضمونها مفهومًا أو معنًا أو حكم أو عقيدة، فإذا كانت محكمة فهذا يعني أنه لا يمكن تحويل معناها الواضح إلى معنى آخر، ومنه نفهم أن الآيات المحكمة هي التي لا تحتمل أوجه متعددة من المعاني، وإنما لها وجه واحد فقط.
تصف آية (7) من سورة آل عمران الآيات المحكمات بالأصول الثوابت لفهم القرآن ﴿ هُنَّ أُمُّ الْكِتَاب ﴾ ونعلم أن الأم هي الأصل الذي تتفرع منه التوابع، كما هو الحال في عبارة "أم القرى"، فأم القرى هي المدينة التي تتبعها قرى أخرى، وتكون بمثابة الملتقى الاجتماعي والثقافي والاقتصادي لتوابعها، فإليها ترجع تلك القرى لتستمد منها بقاءها، والآية الكريمة تسمي الآيات المحكمات التي لا تحتمل أكثر من معنى بأم الكتاب، ولهذا التعبير دلالة مهمة في جعل هذا الصنف من الآيات بمثابة المرجع الذي تُؤوَل إليه الآيات الأخر من الصنف الثاني، فهي الأصول التي من خلالها تتفرع بقية المعاني في نفس الكتاب.
أما الصنف الآخر من الآيات فهو الآيات المتشابهات كما تبيّن الآية: ﴿ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ﴾ كلمة المتشابه مشتقة من الشبه، والشبه في الشكل بين الأشياء يسبب الاشتباه في الذهن، فحينما نرى شخصًا نظن أننا نعرفه ويتضح خلاف ذلك نقول أننا وقعنا في الاشتباه، ويحدث ذلك الاشتباه بسبب تشابه الملامح، وهذا ذاته ما يحدث في هذا الصنف من الآيات، فقد يشتبه القارئ أو المستمع لتأويل تلك الآية، ويَظن أنه أدرك مقصدها، ولكنه في الواقع لم يصل لغايتها، وبمقابلة كلمة التشابه مع كلمة المحكم، نفهم أن المحكم لا يمكن أن يشتبه به دارس القرآن.
تتحدث الآية بعد ذلك التصنيف عن مشكلة تحيّز مرضى القلوب للمتشابهات ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ وهنا يتضح بشكل غير مباشرة أهمية تأويل القرآن بالقرآن، واتباع آيات القرآن كلها متشابهها ومحكمها، الآية تتحدث عن كشف حقيقة التعامل المجتزء لكتاب الله والمتمثل في اتباع المتشابهات وحسب، فتقول إن الذي يسلك هذا السلوك مع القرآن إنما يضمر الزيغ في قلبه، والزيغ هو الالتفات عن الأهم إلى شيء شغل العقل والقلب وهو أقل أهمية، فالفتنة شاغلة عن الأهم، والأهم هو الكتاب وما جاء به من حقائق، وهذا الزيغ هو انصراف القلب عن مرادات الله في الكتاب إلى غايات أخرى يريد أن يثبتها ويحققها من خلال الآيات، ولأن تلك الغايات شغلت قلبه أصبحت هي المرجعية العليا التي يسعى لإثباتها، ولأنه لا يجد مراده محققًا في المحكم فلا يلتفت إليه، وإنما يلتفت للمتشابه، فيقف عند آية تشبه ما يريد مستغلًا طبيعتها لتثبيت مايريد وترويج قوله فيها ليكون دليلًا على ما يدعي.
الآية الكريمة تبيّن أن مسعى الذين في قلوبهم زيغ هو استغلال القرآن لا الاستسلام له، واستغلاله لفتنة الناس وجذبهم نحو ما يعتقدون، لا لتوجيههم لغايات القرآن ﴿ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾ الفتنة هي ما يشغل المرء عن موضوعه الأساسي، والتأويل هو إرجاع الأمر أو الموضوع أو القضية لأولها، وأولها هو الأصل الذي بدأت منه أو نشأت من خلاله، فهؤلاء يبتغون الفتنة، أي يريدون أن يفتنوا الناس عن مفاهيم الكتاب، ويريدون أن يأولوا كلام الله إلى غير أصله وأساسه، وإلى غير المفاهيم الأساسية التي نزل بها الكتاب. وهذا ما يعني أنهم يسعون إلى تثبيت ما هو خارج الكتاب بواسطة الكتاب.
الآية المباركة لا تنفي أن يكون للآيات المتشابهة تأويل، ولكنها تكشف وجود تأويل باطل على غير منهاج الكتاب نفسه، فالتأويل هو إرجاع الفرع من الآيات المتشابهة لأمها وهي الآيات المحكمات الأصل، وهذا بدوره يقضي بوجود مفاهيم قرآنية سيادية تؤسسها الآيات المحكمات، ومن خلال تلك المفاهيم يمكن إحكام بقية الآيات التي يشتبه علينا مرادها، ولذا تكمل الآية الكريمة بقولها ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ ﴾ والذي يعني أن تأويل القول يجب أن يكون من خلال مصدره، ومصدر الآية المتشابهة هو الكتاب المنزل، لذا يجب أن يكون تأويلها من الكتاب نفسه لا من غيره، وبعبارة أخرى إرجاع الحديث يكون لصاحبه، وصاحبه هو الله، وحديث الله محصور في الكتاب.
حصر التأويل عند الله عز وجل يعني حصر التأويل في الكتاب، وهذا يعني حصر الطريق أمام دارس القرآن للتوجه للآيات المحكمات لفهم ما اشتبه عليه من الآيات المتشابهات، ولقد استخدمت الآية الكريمة لفظ الجلالة للدلالة على الكتاب، وبالأخص للدلالة على الآيات المحكمات لأن كلام الله يمثل جهة الله، والرجوع لها يعد رجوعًا لله، وعلى هذا الأساس فإن قوله تعالى ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ ﴾ هو إخبار عن خطأ التحول عن كتاب الله إلى أي مصدر آخر لفهم آياته المتشابهات، ونفي علم التأويل من أي مصدر آخر، فما يعلم تأويل الكلام إلا صاحبه، والله عز وجل أنزل آياته بينات واضحات من أجل أن تكون حجة على الناس، فهي ليست أعجمية البيان أو مكنونة المعنى ذلك لأنها تعمل مقام الحجة على خلقه، وقد تبين لنا في حلقات مسبقة أن الله قد أقام حجته بإنزال بيناته.
يؤكد ذلك العبارة المباركة التالية : ﴿ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ﴾، فقول الراسخون في العلم ﴿ آمَنَّا بِه ﴾ أي آمنا بالقرآن، وإيماننا هذا يستوجب أن نأخذ به كله وليس مجتزءًا ﴿ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ﴾ الآية المتشابهة من عند الله، وكذلك المحكمة هي من عند الله أيضًا، فلا ينبغي أن نجزئ القرآن، أو أن نقتطع آياته فنأخذ بجزئيات تتناسب مع ما نرغب في إثباته، ونترك الأخرى، فكما أخذنا بالمتشابه علينا أن نأخذ بالمحكم أيضًا، وهذا يؤكد نفس المعنى الذي فهمناه في أن الآيات المحكمات تمثل جهة الله، فهو سبحانه الذي يعلمنا مقصوده من الآيات المتشابهات من خلال آياته المحكمات، هذا هو قول الراسخون في العلم، والقول بالشيء إعلان، والإعلان في هذا الموضوع هو قيام بواجب التبليغ تجاه الكتاب، فهم يقولون لكي يُسمعوا، ولكي يفهمهم الناس ويعوا كيفية التعامل مع كتاب الله، وهذا القول يأتي كنهي عن المنكر من السقوط في فتنة مرضى القلوب التي ينشرونها للناس.
أما تسمية هذه الثلة المؤمنة بالراسخون في العلم، فلها دلالة هامة في واقع الإيمان، فالراسخ هو الثابت الذي لا تزحزحه العواصف والتيارات، ورسخ أي ثبت بعد مدة من الوقت وبواسطة عدة عوامل، بالإيمان والتقوى والدراسة والاجتهاد، في المقابل هناك من لا يثبت على شيء من علوم القرآن بسبب ضعف ارتباطه به، وأما دلالة ذلك فهي ضرورة أخذ الكتاب بقوة ودراسته دراسة جادة للوصول لحالة الثبات فيما يأمر به، لأن الأهواء التي تحاول أن تعصف بتلك العلوم قوية جدًا ولا يقاومها إلا ذلك الرسوخ.
تختم الآية الكريمة بالقول : ﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾ التذكر هو تفعيل الذكر، ويعني تفعيل أوامر القرآن الكريم، فالله في هذه الآية يبيّن مشكلة، ويأمر ضمنًا أن لا نقع في ذات المشكلة، وكذلك يأمر أن نتمسك بالكتاب تمسك الراسخ في العلم، بالإيمان به ودراسته دراسة جادة، فإذا توجهنا للكتاب بهذا التوجه كان تذكرنا للقرآن تذكرًا حقيقيًا وعمليًا، والعبارة الكريمة تحصر هذا التذكر لأولي الألباب، أي الذين يتوجهون في فهم القرآن فهمًا عميقًا فيدركون مرادات الله، ويستوعبون الاتجاهات الصحيحة للأخذ به.
﴿ رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾ آل عمران (8)-(9)
هتان الآيتان الكريمتان هما استكمال لخاتمة الآية السابقة بصيغة دعاء على لسان المؤمنين الراسخين في العلم، ذلك لأن الذين في قلوبهم زيغ فتنوا الناس بالمتشابهات، وأولوها إلى ما تهوى أنفسهم، وافتتن الضعفاء، وهذا الدعاء يأتي طلبًا للثبات على حقائق القرآن وعدم الزيغ عنها ﴿ رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾ اللهم لا تجعل قلوبنا تميل عن نهجك ولا عن كتابك بعد إذ هديتنا به وعلمتنا آياته المحكمات فنكون مثل أولئك الذين زاغت قلوبهم ومالوا عن الهدى ﴿ وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾ وتفضل علينا بالهدى والرحمة فالهدى هو من مواهبك السنية لمن تشاء من عبادك. هذا هو دعاء الراسخون في العلم، ثم يتذكرون في دعائهم يوم القيامة الذي سيجمع الله فيه الناس قاطبة ليحاسبهم ويكشف لهم فيه حقيقة تعاملهم مع ما أنزل الله ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾ .
# الخاتمة
تناولت آية (7) من سورة آل عمران مشكلة الأخذ بالقرآن الكريم من خلال الآيات المتشابهات فقط لتوجيهها نحو الهوى، وبيّنت أن هذا التعامل إنما يصدر من مرضى القلوب، الذين تزيغ قلوبهم عن الكتاب لشيء آخر، فيلجأون للآيات المتشابهات التي تحتمل أكثر من تأويل، ويمكن لكلماتها أن تنسجم مع ما يريدون من عقائد، ولكن الآية الكريمة تبين أن ذلك التعامل ينتج الفتنة في الدين، هذه الفتنة يفتتن بها الضعاف الذين لم يدرسوا القرآن ولم يرسخوا في علمه، فيتأثرون بذلك ويعتبرون ما يسمعونه من أدلة أنها أدلة حقيقية، دون أن يعلموا أنها آيات متشابهات قد أخرجت من سياقها وأبعدت عن آياتها المحكمة، والله عز وجل يبين أن ذلك إنما هو افتتان بما زاغت إليه القلوب.
تبيان ذلك السبيل المعوج يكشف عن الطريق السليم في دراسة القرآن والأخذ بآياته، وهو بأن تؤخذ الآيات المحكمات كأساس ومنطلق للتأويل وفهم القرآن بالقرآن، فبها يمكننا أن نؤول الآيات المتشابهات ونفهمها ، الأمر الذي يوضح لنا أن القرآن هو مصدر التأويل.