ومنهم من ينتظر
يفرض القرآن الكريم بعض المعايير الدقيقة التي يكتشف الإنسان من خلالها نفسه، ويكتشف تقواه ومدى قربه من حقيقة الآخرة وحقائق القرآن الكريم، واحدة من تلك المعايير هو تمني الموت وانتظاره،
يقول الله عز وجل :
﴿ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً ﴾ الأحزاب (23)- (24)
الكافر يأتيه الموت بغتة، ولكن المؤمن ينتظره، وفي هذا الموقع يكون المؤمن قد وصل للتقوى التي يطلبها الله عز وجل منه، وهي ذات الحالة التي يتحدث عنها سبحانه وتعالى عن بين إسرائيل الذين ادعوا أنهم أولياء الله من دون الناس، فردت عليهم آيات من سورة الجمعة تقول :
﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ الجمعة (6)-(7)
الآية تخاطبهم: إن كان زعمكم أنكم أقرب الناس إلى الله، وأنتم أولياءه والذين تدلون الناس عليه، فإذًا تمنوا الموت "إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ" في ذلك الادعاء، ولكنكم في الحقيقة لستم كذلك لإنكم لا تستطيعون أن تتمنوا الموت، بسبب ما قدمته أيديكم من أعمالٍ مخالفة لما يأمر به الله عز وجل: "وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ"
ففي هذه الآيات يتأكد مؤشر تمني الموت أو انتظاره من قبل المؤمن الذي حقق في نفسه اشتراطات الإيمان بالمستوى الذي يطلبه الله عز وجل منه، وفي آية أخرى تحمل نفس الدلالة يقول الله عز وجل :
﴿ قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ البقرة (94)
وهنا يظهر معيار تمني الموت مرة أخرى من أجل دحض ادعاء الاقصاء الذي يجعل الآخرة مخصصة لفئة أو لطائفة لمجرد أنها ترى في لنفسها مكانة عالية عند الله، وهذه المكانة تخولها بأن تمتلك الجنة دون غيرها من الناس، فجنة الخلد لهم وحدهم دون غيرهم، أما بقية الناس فهم خارج تلك الجنة، والآية توجه لهم معيار من أهم معايير التقوى وهو تمني الموت، وتقول لهم "فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ"، ولكنهم ليسوا صادقون فيما يدعون ولذا فإنهم يسقطون في معيار التقوى هذا.
هذا المعيار يفرض على المؤمن أن يكون على استعداد تام للرحيل للآخرة، وذلك بالوصول للتقوى، وعندما يكون قلبه لا يقبل تلقي الآخرة، فعليه أن يراجع مدى اقترابه من قوانين الله عز وجل ومدى تطبيقه لأوامر الكتاب. المؤمن الحق ينتظر الموت مستعد له، أما الكافر فإن الموت يأتيه بغتة وعلى غير ترقب أو توقع منه. وآية (منهم من ينتظر) تؤكد أو أولئك الرجال قد صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وعلاقة المؤمن مع الله تبدأ بعهد وتنتهي بالصدق والوفاء بذلك العهد، وعهد المؤمن هو كتاب الله ومافيه من أحكام وعقائد وأوامر.