خلق الإنسان في القرآن (*)
بسم الله الرحمن الرحيم
قصة خلق الإنسان في القرآن الكريم
من أين أنا ؟ وإلى أين ؟ من الأسئلة الكبرى التي تشغل عقل الإنسان المتأمل، هذا العنوان حقيقته في علم الغيب، لذا فهو عند الله سبحانه وتعالى، وقد اجتهد الإنسان بواسطة العلم في التعرف على تاريخه وماضيه، ولكن العلم قاصر في إدراك هذه الحقيقة، لأن العلم قادر على التعرف على الآثار ولكن من الصعب أن يدرك حقيقة الحدث الذي تسبب في تلك الآثار، تماماً كما نقول أن هناك حدث كبير كاحتراق مبنىً مثلاً؟ يمكن لنا أن ندرك آثار الاحتراق، ولكن لا يمكن لنا أن نتحقق من الحدث المؤدي إلى ذلك الاحتراق أو المتسبب الحقيقي فيه، وحقيقة ما يجري داخل ذلك المبنى. والحقيقة عند الله الذي يحيط بكل شيء علماً، فهو الخالق السبب وراء هذه المخلوقات وهذا الكون.
وقد اعتنى القرآن الكريم في إجلاء هذه الحقيقة، لأن حقيقة الماضي الغائب عنه لها تأثير في سير الإنسان نحو مستقبله الغائب عنه أيضاً، الإنسان يسير من غيب إلى غيب، وعليه حين يدرك قوة هذا الخلق أن يعود إلى خالقه حتى يستمد منه القوة والحقيقة في استكمال طريقه نحو الآخرة الغيب ذلك الغيب القادم.
نبدأ في هذه الحلقات في تبيين تلك الحقائق التي قد تتوافق مع بعض الاستنتاجات العلمية في عصرنا الحاضر.
الآية الأولى :
( قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (11)) سورة غافر
الآية الشريفة تذكر أن هؤلاء الذين يعترفون بذنوبهم يوم القيامة يعترفون أن الله سبحانه وتعالى قد أحياهم مرتين، فمتى كانت الحياة الأولى؟ ومتى كانت الحياة الثانية ؟ ولكي نقترب من هذه الحقيقة أكثر فإن الآية تشير إلى موتتين أيضاً وليست موتة واحدة؟ وإنما يقال عن الإنسان أنه مات حين يكون قد عاش حياة ولا يمكن أن نقول عنه ميت وهو لم يخلق بعد؟ فمتى كان ذلك، الآية تقر بأن الإنسان كان حياً ثم مات، ثم أحياه الله مرة أخرى ثم أماته مرة أخرى ثم بعثه يوم القيامة لملاقاة حسابه. فمتى كانت الموتة الأولى؟ ومتى كانت الموتة الثانية ؟ وأي حياة نعيش نحن اليوم ؟ هل هي الحياة الأولى أم الحياة الثانية ؟
نعود بهذا التساؤل إلى سورة البقرة فتجيب لنا في الآية الشريفة التالية :
(كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)) سورة البقرة
الآية تستنكر على الذين كفروا بهذا الكتاب بقولها: كيف تكفرون بالله، وكنتم قبل هذا الحياة أمواتاً فأحياكم الله سبحانه وتعالى، ثم بعد هذه الحياة يميتكم ثم يحييكم مرة ثالثة في الحشر والحساب ثم إليه ترجعون. هو يخاطب من يعيش في حياتنا هذه بأنه كان ميتاً؟ وكيف يمكن لنا أن نقول عن شخص أنه كان ميتاً إلا إذا كان حياً قبل أن يموت؟ قبل أن يخلق لا نقول عنه أنه ميت، قبل أن يخلق نقول عنه لم يخلق بعد، الإنسان الذي لم يتكون في رحم أمه لحد هذه الساعة نقول عنه لم يخلق بعد، فإذا تكون نقول عنه خلق من العدم وإذا تحرك نقول دخلته الحياة، ولكن القرآن يخاطب هذا الجنين الذي بُثت فيه الحياة اليوم ويقول له لقد كنت ميتاً قبل هذه اللحظة؟ وهذا يقودنا إلى حقيقة: أنه إذا كان ميتاً قبل هذا فهذا يعني أنه عاش حياة غير هذه الحياة وبعد أن عاشها مات بعدها فانتهت حياته الأولى، ثم بعد تلك الحياة خلقه الله سبحانه وتعالى جنيناً في بطن أمه ليخرج لهذه الحياة التي نعيشها اليوم مرة أخرى وبعد هذه الحياة يموت ثم يبعث من جديد.
من هذه الآيتين الشريفتين نصل إلى نتيجة واضحة وبينه أن الإنسان يعيش اليوم حياته الثانية، وأنه قد عاش قبل هذه الحياة حياة أخرى، ولكنه لا يتذكر منها شيء، وأنه وكما تبين الآية الأولى من سورة غافر، سيتذكر الحياتين يوم القيامة وليس الآن، سيتذكر أن الله سبحانه وتعالى أماته مرتين، وأحياه مرتين، وأن الله سبحانه وتعالى إنما أعطاه الحياة الثانية من أجل اختباره وامتحانه في شيء ما، كما تبين آية سورة البقرة بقولها : " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم " كيف تكفرون بهذه الرسالة ؟ كيف تكفرون بآيات الله؟ وكنتم قبل هذه اللحظة أمواتاً ولكن الله أحياكم، وكأنها تقول: ولكن الله أحياكم من أجل أن تؤمنوا كما وعدتم الله في حياتكم الأولى أنكم ستؤمنون بآياته حين يرسل لكم رسولاً.
نحن اليوم فاقدون للذاكرة، ولا نتذكر شيء من حياتنا الأولى التي عشناها على هذه الأرض، هل كانت للإنسان سلوكيات محددة قبل هذه الحياة؟ هل كانت تلك السلوكيات معروفه؟ ولماذا أعاد الله خلقته من جديد؟ سؤال لا نعلم حقيقته؟ ولا يمكن أن يكون الإنسان أقوى من خالقه حين يشاء الخالق أن ننسى تلك الحياة ولا نذكر منها شيئاً. ولكن في ظل هذا الفهم وهذا الاستنتاج يمكننا أن نكمل قراءة سورة البقرة وبالتحديد بعد الآية ( 28 ):
(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29))
لماذا هذا الاعتراض؟ أليست هذه حقيقة جلية للإنسان؟ هو يعلم أن الله هو الخالق! فبماذا تذكره هذه الآية ؟ هذه الآية تذكره بعهوده مع الله في الخلقة الأولى، باعترافه بأن الله الخالق ولأنه الخالق فله الحق أن يعبد هو، له الحق أن يؤمن بكتابه وكلماته هو، لا أن يعبد غيره، وتقول للإنسان الذي كفر بهذه الآيات: أنسيت حين أتيت لحياتك الجديدة الثانية أنك عاهدت الله على الإيمان، كيف بعد هذا التكريم تكفر : " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم " ؟ هذه ردة من أجل أن تثبت إيمانك الذي ادعيته، فلم تكفر ؟ لم تنزاح عنه سبحانه لغيره؟ وبهذا المدخل يمكن أن نعبر إلى قصة آدم التي هي بداية الحياة الثانية للإنسان.
(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ (30))
خلق الإنسان في حياته الدنيا الثانية، خلق جديد بالنسبة لخلق السماوات والأرض، خلق السماوات والأرض أبعد من خلق آدم بكثير، ويجب الفصل بين الاثنين، والعلم الذي يثبت عمر الإنسان يبين أيضاً أن عمره قليل جداً أمام خلق الأرض والكون. الإنسان الحالي يعيش في حياته الدنيا الثانية، وهذه الاية الشريفة تبين أن الله سبحانه وتعالى حكم بأن يجعل له خليفة في الأرض، الملائكة تعرف الأرض بكل مكوناتها ومخلوقاتها، والله سبحانه وتعالى يبلغ الملائكة بحكمه وقراره سبحانه وتعالى، بأنه سيجعل في هذه الأرض خليفة، والكلمة فهمت من قبل الملائكة بالشكل التالي: سيتمكن أحد المخلوقات من فعل ما يريد على هذه الأرض، سيتمكن لأن الله سيمكنه ويجعل له القوة والسلطة على بقية المخلوقات، والقدرة على بقية الكائنات، هكذا فهمت الملائكة قول الله سبحانه وتعالى " إني جاعل في الأرض خليفة"، وفهمت أيضاً أن الهدف من ذلك هو أن يظهر هذا الخليفة درجة عالية من التسبيح والتقديس لله، ومن الممكن أن تكون قد علمت في حينها من هو المخلوق الذي تم اختياره من أجل أن يكون خليفة لله وهو الإنسان، فاستفهمت : " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " ؟ من ستمكنه سيفسد في الأرض بدلاً من أن يزيد من خيراتها ويعمرها، وسيسفك الدماء حقداً وكراهية وعلواً فيها، " ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك". فكان الرد الإلهي : " إني أعلم مالا تعلمون " ، فما الذي يعلمه الله سبحانه وتعالى من هذا الإنسان حين يجعله خليفة زيادة على ما يعلمه الملائكة؟ ما قالته الملائكة ليس خاطئاً ولكنها لا تعلم خلاف ذلك، لقد علمت عن هذا الإنسان الذي سيصبح خليفة أنه سيفسد في الأرض ويسفك الدماء، ولكنها لم تعلم جانب آخر عنه سيخبرها الله عنه في الآيات التالية.